معاشرَ الأحبة، المنصِتُ يحبِس لسَانَه ويرسِل أذُنيه، يَعرِفُه الجالِسون والمتحَدِّثون بحضورِه وهدوئِه، وترقُّبِه وحُسن متابعتِه، وأَدَبه وتقديرِه لمحدِّثه، يحمل روحَ المساواةِ والبُعد عن الاستعلاء والفوقية، وتجنُّب الجَزم بالانفرادِ بالحقِّ، والقَطع بمعرفةِ الصواب. ما أجملَ الأذُنَ المصغِيَة ذات الهدوء والوَقَار، وهي تحتضِن امرَأً يكادُ يتميَّز مِنَ الغيظِ والغضب، ويضيقُ بالحزن ذَرعًا! يقول أبو الدرداء:"لا خيرَ في الحياة إلاَّ لأحد رجلين: منصتٍ واعٍ، أو متكلِّمٍ عالم"، ويقول بعضُ الحكماءِ:"إذا جالستَ العالمَ فأنصتَ، وإذا جالستَ الجاهل فأنصِتَ، ففي إنصاتِك للعالم زيادةُ علم، وفي إنصاتك للجاهل زيادة حِلم"، ويقول أبو حامِدٍ الغزالي - رحمه الله - مبيِّنًا خصالَ المنصِت وصفاتِه:"أن يكون مُصغِيًا إلى ما يقول القائل، حاضِرَ القلب، قليلَ الالتفات إلى الجوانِب، مُتَحِرِّزًا عن النظرِ إلى وجوهِ المستمِعين وما يظهَر عليهم من أحوال وأوضاع، مشتَغِلاً بنفسِه، متحفِّظًا عن حركةٍ تشوِّش على أصحابِه، سَاكِن الظاهِرِ، هادِئ الأطراف، متحفِّظًا من التنحنُح والتثاؤب".
معاشر المسلمين، كم حُلَّت المشكلاتُ بحسن الاستماع، فلا تقاطِع واسمَع حتى ينتهِيَ محدِّثُك، استَمِع إلى صاحبِك لتفهَمَ، لا لتَلتَقِطَ عَثراتِه، وتتبَّعَ زلاَّتِه، لا تسمع وأنت لا تَرغَب الفهمَ، لا تشتغِل بإعداد الردِّ أثناءَ الاستماع، ولا تستعجل الإجابَةَ، إنك إن فعلتَ ذلك فإنَّك لا تردُّ إلاَّ على نفسِك، ولا تحرِم إلا نفسَك، إياك أن تستمعَ لتتصيَّدَ الأخطاءَ؛ فهذا خذلانٌ وعَمى وحِرمان من الحقِّ، وضَرَرٌ عَلَى النَّفسِ والقَلب والدين، لا تفسِّر كلامَ محدِّثك بوجهَةِ نظرِك، وانظر إلى الأمورِ بمنظورِه لا بمنظورِك، وسوف تجِد أنك سريعُ الفهم، منشَرِح الصدر، غيرُ قَلِق ولا مُتَحفِّز.