تأمَّلوا هذه الكلمةَ العظيمة، ذات الفِقه النَّفيس النَّفسيِّ العميق من الإمام ابن حَزم - رحمه الله - حيث يقول:"من أراد الإنصاتَ فليتوهَّم نفسَه مكانَ خَصمه؛ فإنه يلوح له وجهُ تعسُّفِه". لا تحمِل أحكامًا مسبقة، ولا قرارات مُقَولَبَة؛ بل كن مستَمِعًا جيِّدَ الإنصات لكل ما يقال ويُلقى.
أيها المتحدِّث، اعلم وتأكَّد أنَّ هناك أناسًا كثيرين لدَيهِم مِنَ الفطنة والفَهم والعِلم والبداهة - أكثرُ مما عندك، وما يفوقُ تقديرَك، وحين تستَمِع فلا تتصنَّع المتابَعَة؛ فجَليسُك ذكِيٌّ نبِيه، فاحترِمه واحترِم نفسَك وأدَبَك، فاستمِع - بارك الله فيك - استماعَ يَقَظةٍ وفَهمٍ وابتغاء للحَق.
يا أصحابَ الحق، أيها الدعاةُ إلى الله، يا رجالَ الحِسبة، يا أهلَ الرأي والفكر، إنَّ أفضلَ طريقٍ لإقناعِ الآخرين، وأيسَر سبيلٍ إلى الوصول إلى الحق، هو فِقه حسن الاستماع وأدب الإنصاتِ.
وبعدُ عبادَ الله، فانظرُوا - حفظكم الله - حينما يكون المرءُ في ضيقٍ أو ضائقة، فإنَّه لا يجد الفرَحَ ولا الفَرَجَ إلاَّ عند من يحسِن الإنصاتَ إليه، والاستماعَ إلى شكواه؛ يواسيه ويسليه ويتولاَّه، يحِبُّ الناس المنصتَ؛ لأنَّه مغناطيس تنجذِب إليه القلوب، ويَلجَأ إليه الناس، يفرَّج همومَها وأحزانها. إنَّ الاستماعَ الجيَّد والإنصاتَ العَميق، هو سِرُّ نجاح كثيرين في علاقاتهم وأعمالهم، وإذا صَلح الاستماع صَلحَت الحياة واستقامَت.