عباد الله، إن من كانت هذه حاله فهو على خطر عظيم إن لم يتدارك نفسه، فمن كانت هذه حاله فدعائي له بالتوفيق، ورجائي إليه أن ينوي الحج من هذا المكان، فالنية هي الانطلاقة، وبعدها ييسر الله - سبحانه - كل أمر، وإذا عاد إلى بيته وأهله أن يعلن ذلك، ويقول لهم: سأحج هذا العام بإذن الله، وذلك ليستقر الأمر على واقع وعزيمة، لا على سكوت وتسويف وهزيمة، وذلك ليسأله أهله كل يوم عن إنجازاته في هذا السبيل، ويكونوا عونًا له في ذلك، أما السكوت فهو مصيدة الشيطان، وملجأ التسويف.
إخوة الإسلام، وفي مقابل ذلك تمامًا شخص يحج كل سنة ويذهب كل عام، ولم يحسب ولم يحتسب لمشقة الناس والازدحام، وضيق المشاعر أيَّ حساب واحتساب، نحن لا نقول: في حجه شيء؛ لأن الحج من أفضل الأعمال، ولكن الاحتساب في التوسيع على المسلمين مادام أنه حَجَّ حجةَ الفريضة، وحج تطوعًا مرة أو مرتين، وهنا يكون توسيعه على المسلمين من ناحيتين: الأولى: أنه أفسح المكان لغيره، قال - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} [المجادلة: 11] ، فإن كان هذا في حق آداب المجالس عمومًا، فمن باب أولى أن يكون في آداب الأماكن المزدحمة، التي يترتب عليها أداء الفرائض، والناحية الثانية: أنه وسَّع على المسلمين بدفع ذلك المال الذي يزمع الحج به إلى مَن يحج به فريضته، أو إلى الفقراء واليتامى والمساكين، سيما وأنهم بأمسِّ الحاجة في تلك الأيام، أيام عشر ذي الحجة، إلى المال، وكما قال - عليه الصلاة والسلام: (( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة ) )، قالوا:"ولا الجهاد في سبيل الله؟!"، قال: (( ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء ) ). إن القربات المتعدي نفعها للآخرين خير من القربات اللازمة، وذلك في غير الفرائض.