فهرس الكتاب

الصفحة 3114 من 19127

ذلكم - يا عباد الله - أنه لا فرق في الشريعة بين ما كان أصلاً فيها، وما أوجبه الإنسان على نفسه بنذر أو نحوه، وهذان الحديثان يدوران حول حجة الفريضة في الأصل، وحجة النذر وهو ما أوجبه العبد على نفسه بنذره، وهنا لا بأس بالإنابة في الحج، وأما حج التطوع، وهو الزائد عن الفريضة، فجدير بمن كان قادرًا على الحج بنفسه أن يحج، ولا يصح له أن يوكِّل مَن يحج عنه؛ لأن شرط الاستطاعة متحقق عنده، ولقد تساهل كثير من الناس في التوكيل في حج التطوع، وخصوصًا في زماننا هذا، حتى صارت هذه الأيام موسمًا لتعاطي الحِجَج، فإن مَن يستطيع الحج تطوعًا عليه أن يحج بنفسه، ولا يَحرِم نفسَه من أجر تعب العبادة، واستشعار الطاعة والذكر والدعاء، والمنافع التي لا تعد ولا تحصى، ويكفيه من ذلك، إذا لم يرفث ولم يفسق، أن يرجع كيوم ولدته أمه، وهذا لا يمكن إدراكه بالتوكيل؛ إنما بالنفس، وقد منع الإمام أحمد - رحمه الله - في إحدى روايتين عنه من توكيل القادر شخصًا آخر يحج عنه تطوُّعًا، ولا يصلح التساهل في ذلك أيها المسلمون، فإما أن يحج تطوعًا بنفسه، أو يبذل المال الذي يريد الحجَّ به لمن لم يحج، فيكون قد أعان مَن لم يحج، ووفر لهم شرط الاستطاعة، ويكون له مثل ما لهم من الأجر والثواب، دون أن ينقص ذلك من أجورهم شيئًا.

ولقد رأيت الناس - أيها الأحبة - تفاوتوا في هذه المسألة تفاوتًا عجيبًا، واختلفوا اختلافًا غريبًا، وسلكوا في ذلك فجاج الإفراط والتفريط، فتجد منهم من هو كثير المال، صحيح البدن، ومضى به الكبر حتى بلغ منه مبلغًا عِتيًّا، ومع ذلك لم يحجَّ! حجة الفريضة لم يحجَّها، أليست هذه مشكلة ومصيبة ومعضلة؟! ولقد قال النبي: (( تعجلوا الحج، فإن أحدكم لا يدري ما يَعرِض له ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت