فهرس الكتاب

الصفحة 3106 من 19127

وَالْعُمْرُ يَنْقُصُ فِيهَا وَسَيِّئاتٌ تزيدُ

فَاسْتَكْثِرِ الزَّادَ فِيهَا إِنَّ الطَّرِيقَ بَعِيدُ

فاستيقظ الأمير وسط الليل، وقال لخدامه: إني ذاهب إلى مكان بعيد، فإذا أتى بعد ثلاثة أيام، فأخبروا والدي أني ذهبت، فسوف ألتقي أنا وإياه يوم العرض الأكبر.

إن كان قد عزّ في الدنيا اللقاءُ ففي مواقفِ الحشرِ نلقاكم ويكفينا

خرج الأمير في ظلام الليل، خلع ثيابه الفاخرة، ولبس لباس الفقير، ذهب واختفى، ولم يعلم أحد أين ذهب.

يقول أهل التاريخ: ركب إلى واسط، وغيّر هيئته، وصار مسكيناً من المساكين، وعمل أجيراً مع تاجرٍ من تجار الآجر، يعمل في صنع الطوب والطين والبناء.

أصبح ابن الخليفة صوَّاماً، قواماً، ذاكراً لله - تبارك وتعالى - له أوراد في الصباح والمساء، يحفظ القرآن، يصوم في شدة الهجير، يقوم الليل، يتَّصل بالحي القيوم، ليس عنده من المال إلا ما يكفيه يوماً واحداً. ذهب همه وغمه وكربه وحزنه، ذهب عنه العجب والكبر والخيلاء والغرور.

{أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 122] .

ثم جاءت سكرة الموت بالحق، أتته الوفاة على هذه الحال، فأخبر التاجر أنه ابن الخليفة المأمون، وأوصاه إذا مات، أن يغسله، ويكفنه، ويدفنه، ثم أعطاه خاتمه ليسلمه إلى المأمون بعد وفاته.

ومات الأمير، فغسله الرجل، وكفنه، وصلى عليه، ودفنه، ثم ذهب بالخاتم إلى المأمون، فلما رأى المأمون الخاتم شهق وبكى حتى ارتفع صوته، ثم سأل التاجر عنه: وماذا كان يفعل؟ فأخبره التاجر أنه كان عابداً، ناسكاً، أواباً، ذاكراً لله تعالى، ثم أخبره بموته، فضجّ الخليفة والوزراء، وارتفعت أصواتهم بالبكاء والنحيب، وأيقنوا أن الأمير قد عرف طريق السعادة، وطريق النجاة يوم القيامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت