فهرس الكتاب

الصفحة 3105 من 19127

قال الأمير: أنا ابن الخليفة.

قال الحمَّال: يقولون ذلك!!

قال الأمير: ماذا تعمل؟

قال الحمَّال: أعمل مع عباد الله، في بلاد الله!!

قال الأمير: قد رأيتك أياماً، ورأيت ما أنت فيه من مشقة وعناء، وإني أريد أن أخفف عنك.

قال الحمَّال: وكيف ذلك؟

قال الأمير: ائتِ بأهلك، واسكن معي القصر، آكلاً، شارباً، مستريحاً، لا همّ، لا غمّ، لا حزن.

قال الحمَّال: يا ابن الخليفة، لا همّ على من لم يذنب، ولا غمّ على من لم يعصِ، ولا حَزَن على من لم يسئ!! أما من أمسى في غضب الله، وأصبح في معصية الله، فهو في الغم والهم والحزن.

فقال له الأمير: وهل عندك أهل؟

قال الحمَّال: أمي عجوز، وأختي عمياء، آتي بإفطارهما قبل الغروب، فهما تصومان كل يوم، فنفطر جميعاً ثم ننام بعد العشاء.

قال الأمير: فمتى تستيقظ؟

قال الحمَّال: إذا نزل الحي القيوم إلى سماء الدنيا، في الثلث الأخير من الليل!!

قال الأمير: وهل عليك دين؟

قال الحمَّال: ذنوب سلفت بيني وبين الحيّ القيوم.

قال الأمير: ألا تريد أن تسكن معي القصر؟

قال الحمَّال: لا والله.

قال الأمير: ولم؟

قال الحمَّال: أخاف أن يقسو قلبي، وأن يضيع ديني.

قال الأمير: أتفضِّل أن تكون حمالاً جائعاً عارياً، ولا تكون معي في القصر؟!

قال الحمَّال: إي والله!!

ثم تركه الحمَّال وانصرف، فأخذ الأمير يتأمل، وينظر إليه وهو مشدوه، فقد أعطاه درساً عمليّاً في الإيمان والتوكل على الله، أملى عليه دروساً في التوحيد والعبودية، ألقى عليه كلمات نفذت إلى قلبه، فأخذ يتابعه بطرفه، حتى اختفى عنه.

وفي ذات ليلة، استفاق الأمير من غفلته، وأفاق من غيبوبته وصحا من نومه، وعلم أنه كان في سبات عميق، ونوم طويل، وأن الوقت قد حان للتوبة والتشمير.

تَنَبَّهُوا يَا رُقُودُ إِلَى مَتَى الْجُمُودُ

فَهَذِهِ الدَّارُ تَبْلَى وَمَا عَلَيْهَا يَبِيدُ

الْخَيْرُ فِيهَا قَلِيلٌ وَالشَّرُّ فِيهَا عَتِيدُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت