وهذا العقاب يكون للناس كلهم، بعلمائهم ووعاظهم وصلحائهم وفجَّارهم ولا ينجو منه إلا الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 165] قال ابْنُ النَّحَّاسِ:"فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ النَّاجِيَ هو النَّاهِيَ عن السوء دون الواقع فيه والمداهن" [10] .
أيها الإخوة: يُخْطِئُ الكثِيرونَ حِينَما يَظُنُّونَ أنَّ الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ هُوَ مُهِمَّةُ العلماء والصلحاء ورجال الحسبة، وأنه لا يجب على غيرهم.
وهذا ظَنٌّ خاطِئٌ؛ لأن هذا الركن من الدين سبب لحفظ الأمن وحصول الرزق، وحفظ الأمن مسؤولية الجميع. قال الرافعي والنووي وغيرهما:"لا يختص الأمر والنهي بأصحاب الولايات والمراتب؛ بل ذلك ثابت لآحاد الناس من المسلمين، وواجب عليهم"ا. هـ [11] .
وَيَرى البعض أنه لا يأمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر إلا من كان مستقيمًا كامل الاستقامة. وهذه رؤية غير صحيحة؛ بل حتى العُصَاة يجب عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المُنْكَرِ ولو كانوا يرتكبون الكبائر من الذنوب. وقد نقل ابن عطية عن أهل العلم:"أنه ليس من شُرُوطِ الناهي أن يكون سليمًا عن معصية بل ينهى العصاة بعضهم بعضًا" [12] . وقال الأصوليون:"فرض على الذين يتعاطون الكؤوس - أي كؤوس الخمر - أن ينهى بعضهم بعضًا، لأن قوله تعالى: {كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} [المائدة: 79] يقتضي اشتراكهم في الفعل وذمّهم على ترك التناهي" [13] . وإذا كان المرء مرتكبًا لمعصية ولم ينه عنها كان واقعًا في إثمين: العصيان، وعدم الإنكار.