فشأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عظيم، وهو من صفات المؤمنين، كما أن عكسه من صفات المنافقين: {المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ المُنَافِقِينَ هُمُ الفَاسِقُونَ} [التوبة: 67] ، وفي آية أخرى: وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ [التوبة: 71] ، قال القُرْطُبِيّ:"فجعل الله - تعالى - الأمر بالمعروف والنهيَ عن المنكر فرقًا بين المؤمنين والمنافقين فدلَّ على أنَّ أخصَّ أوصافِ المؤمنين الأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر"ا. هـ [3] .
وأخبر - تعالى - أن الخيرية في هذه الأمة إنما كانت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإيمان بالله - تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله} [آل عمران: 110] .
أيُّها الإخوة: إنَّ المعصية إذا ظهرت في الناس كان أثرها عظيمًا في إفساد القلوب، ومحق البركات، وحلول العقوبات. ولا ينجو من ذلك كلِّه إلا الآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر. حتى إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ينجو من الفتنة حينما يقع الناس فيها؛ لما في قلبه من الصلاح وإنكار المنكر، فَيَتَأَبَّى قلبه على الفتنة أن تداخله فتفسده. وبالضد يكون من أهَملَ الأمر بالمعروف والنهيَ عن المنكر، تموجُ به الفتن، وتتقاذفه الأهواء؛ لما في قلبه من الفساد.
وما أفسد قلبَه إلا أنه لم ينكر المعصية حتى ألفها فتمكنت منه الفتنة؛ ذلك أن المعاصيَ سبيلُ الفتن؛ بل هي من الفتن نفسها.