قال أبو بكر الكَلْواذاني:"ما رأيتُ مثل محمد بن إسماعيل؛ كان يأخذ الكتاب من العلم فيطلع عليه اطِّلاعَةً، فيحفظ عامَّة أطراف الأحاديث من مرَّة واحدة )) [8] ."
انضمَّ إلى هذا الحفظ العجيب اهتمامٌ بالغ بالحديث يشغله عن النوم كثيرًا؛ قال محمد بن يوسف:"كنتُ مع البخاري بمنزله ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج؛ يستذكر أشياء يعلِّقها في ليلةٍ ثماني عشرة مرة"! [9] .
وكان ثمرةُ هذا الحرص وتلك الحافظة رصيدًا كثيرًا من الأحاديث، بلغ أكثر من ستمائة ألف حديث، بين مقبول ومردود، يختزنها البخاري في ذاكرته، بأسانيدها وفوائدها وعللها.
ولقد رآه غير واحد في المنام يمشي خلف النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - كلما رفع النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قدمه؛ وضع أبو عبدالله قدمه في ذلك الموضع؛ وتلك كرامةٌ في التأسِّي والاقتفاء [10] . بل إن البخاري رأى النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في المنام؛ قال يصف تلك الرؤيا:"وكأنني واقفٌ بين يَدَيْه، وبيدي مروحة أذبُّ بها عنه، فسألتُ بعض المعبِّرين؛ فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب؛ فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح" [11] .
وقال:"كنا عند إسحاق بن رَاهَوَيْه، فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنَّة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم! قال: فوقع ذلك في قلبي؛ فأخذتُ في جمع الجامع الصحيح" [12] .
كانت رؤياه وقولُ شيخه حافزًا على جَمْعِه"الصحيح"، الذي لا يوجد على وجه الأرض كتابٌ أصحُّ منه إلا كتابُ الله تعالى. وما كان ذلك إلا توفيقًا من الله تعالى، وكَرَمًا منه لهذا الإمام العظيم، ثم تحرِّي هذا الإمام ودقَّته، وكثرة استخارته؛ حتى خرج كتابه على أحسن وجه. يقول - رحمه الله تعالى: "ما وضعتُ في كتاب"الصحيح"حديثًا إلاَّ اغتسلت قبل ذلك وصليتُ ركعتين"! [13] . ويقول:"صنَّفْتُ"الجامع"من ستمائة ألف حديث، في ست عشرة سنة، وجعلته حُجَّةٌ فيما بيني وبين الله" [14] .