ابتدأ تصنيفه وترتيبه وتبويبه في المسجد الحرام [15] ، وحوَّل تراجمه في الرَّوضة الشريفة في مسجد رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وكان يصلِّي لكلِّ ترجمةٍ ركعتَيْن [16] ، ويدلُّ هذا على تعظيمه لحديث رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لأنه كان يرى أن الاشتغال بالحديث من أعظم ما يقرِّب إلى الله تعالى، حتى كأنَّ المشتغِل بالحديث مُجالس لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وصَحْبه الكرام.
قال تلميذه الفِرَبْرِيُّ:"أملى يومًا عليَّ حديثًا كثيرًا، فخاف مَلالي؛ فقال: طِبْ نفسًا؛ فإن أهل الملاهي في ملاهيهم، وأهل الصناعات في صناعتهم، والتجار في تجاراتهم، وأنت مع النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأصحابه" [17] .
بعلمه وعمله، واتِّباعه للسُّنة وإخلاصه - بلغ صِيتُه آلافاق، وأثنى عليه العلماء؛ حتى قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى:"ولو فتحتُ بابَ ثناء الأئمة عليه، ممَّن تأخَّر عن عصره؛ لفني القِرْطاس، ونفدت الأنفاس؛ فذاك بحرٌ لا ساحل له" [18] .
ونقل عن قتيبة بن سعيد قوله:"جالستُ الفقهاءَ والزهَّاد والعبَّاد، فما رأيتُ منذ عقلتُ مثلَ محمدٍ بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمر في الصحابة" [19] ، وقال:"لو كان محمد في الصحابة لكان آية" [20] .
وبلغ من محبَّتهم للبخاري ما قاله يحيى بنُ جعفرٍ البِيكَنْدِي:"لو قدرتُ أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل من عمري لفعلت؛ فإن موتي يكون موت رجلٍ واحدٍ، وموته ذهابُ العلم" [21] .
ومع علمه وحفظه كان آيةً في العبادة، لم يشغله الحديث عن القرآن؛ إذ كان يختم في كل يوم من رمضان ختمة [22] ، ويصلي في آخر الليل ثلاث عشرة ركعة [23] .
وكان فيه خشوعٌ عجيبٌ؛ قام يصلِّي يومًا، فلسعه زنبورٌ سبع عشرة مرة، حتى تورَّم جسدُه، ولم يقطع صلاته حتى أتمها! فقالوا له في ذلك؛ فقال:"كنتُ في سورةٍ، فأحببت أن أُتِمَّها" [24] .