فهرس الكتاب

الصفحة 3034 من 19127

أُلهم حفظ الحديث وهو في الكُتَّاب وعمره عشر سنوات، وكان يصحِّح للشيخ خطأه في الإسناد وهو ابنُ إحدى عشرة سنة، وحفظ كتب العلماء الكبار وهو ابن ست عشرة سنة، ثم حجَّ مع والدته وجاور بمكة لطلب الحديث.

بدأ تصنيف بعض كتبه وهو ابن ثمان عشرة سنة [3] ، والكتب التي كتبها وهو في هذه السنِّ المبكِّرة يقوم على دراستها عشرات من كبار الدارسين في هذا العصر لنَيْل درجات علمية عالية، وما يفونها حقَّها، أليس هذا عجبًا؟! ثم انظروا إلى اهتمامات أبناء الحادية عشرة والسادسة عشرة وأبناء العشرين!!

وأعجب من ذلك: أنه كان يصاحب أقرانه إلى المشايخ لأخذ الحديث، وهم يكتبون وهو لا يكتب، ويأمرونه بالكتابة فلا يكتب، فلما ألحُّوا عليه؛ قرأ عليهم ما كتبوه عن ظهر قلب، فزاد على خمسة عشر ألف حديث! ثم قال لهم:"أترون أني أختلف هَدْرًا وأضيِّع أيامي"؟! [4] .

لقد كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ، حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلِسوه في بعض الطريق؛ فيجتمع عليه ألوفٌ، أكثرهم ممَّن يُكْتَبُ عنه، وكان شابًّا لم يخرج شَعْرُ وجهه بعد [5] !

قدم بغداد، وقد كان أئمة الحديث فيها يسمعون عن قوَّة حفظه؛ فأرادوا امتحانه، فعمدوا إلى عشرة من حفَّاظهم، مع كلِّ واحدٍ عشرةُ أحاديث قلَّبوا أسانيدها وخلَّطوها، فأخذوا يلقونها على البخاري حديثًا حديثًا، وهو يقول: لا أعرف هذا الحديث؛ حتى أنهوا المائة حديث، ثم أعاد عليهم المائة حديث بخطئهم، ثم أعادها مرة أخرى مصحَّحة؛ فأقرُّوا له بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل [6] . قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى:"هنا يُخْضَعُ للبخاري، فما العجب من ردِّه الخطأ إلى الصواب، فإنه كان حافظًا؛ بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرَّةٍ واحدةٍ" [7] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت