ولابدَّ للأدب الذي مادَّتُه الكلمةُ أن يكونَ - ككلِّ ما خلق اللهُ - ذا هدفٍ؛ إنَّه ابنُ الحياة، وعليه خدمتُها؛ وذلك بمعالجة مشكلاتها، أو محاولةِ تجميلِها، أو تقديمِ تفسيرٍ لها، أو الكشفِ عن أسرارِها، أو إيضاحِ الغَرَضِ منها، أو بيانِ الحقِّ والباطلِ فيها، وهو بذلك كلِّه يُعينُ الإنسان على العَيْش فيها، ويكون له هادياً في طريقها اللاحب البعيد.
كان (وردز ورث) يقول:"كلُّ شاعرٍ عظيمٍ معلِّمٌ. وأُحبُّ أن يَعُدَّني النَّاسُ معلِّماً، أو لا شيءَ" [2] .
الالتزامُ وليدُ الحرِّية:
والالتزامُ وليدُ الحرِّية، وهو لا ينمو إلا في أحضانها، ولا يترعرعُ ويَفْرَعُ إلا في تُرْبتها الخصيبة.
إن الالتزام لا يكون قَسْراً أو إكراهاً، وإلا فهو"إلزامٌ"لا"التزامٌ"، وشتَّانَ ما بينهما.
الالتزامُ ابنُ الاختيار، والإلزامُ ابنُ الإجبار. الأوَّلُ ثمرةٌ من ثمرات الوعي والإدراك واليقظة والمسؤولية، والثاني من ثمرات التَّغييب والإملاء والتَّسيير، وشتَّانَ ما بينهما.
إنَّ كلَّ أديب"مُلتزِم"هو أديبٌ حرٌّ شريفٌ، وإنَّ كلَّ أديب"مُلْزَم"هو أديبٌ"مُسَيَّس"مستعْبَد، مَبِيعٌ أو مُشْترًى، وشتَّان ما بينهما.
قد تختلف مع أديبٍ يلتزم فِكراً غيرَ فِكرِكَ، أو يدعو إلى رؤيةٍ غيرِ رؤيتِكَ، ولكنَّكَ لا تَملِك إلا أن تَحتَرِمه؛ لأنه مُخلِصٌ لِمَبْدَئِهِ الذي يدعو إليه. تُجِلُّ فيه هذا الإخلاصَ لأنه يَعْتَقِدُ أنَّه الحقُّ، ولكنَّه ما إنْ يتذبذب ويتملَّق، ما إنْ يُحابي ويُداجي، حتى يَسقُط من عينِكَ، وإن كان يرمي بسهمِكَ، ويَنطِقُ باعتقادِكَ؛ لأنَّ حرارة الصِّدق خَبَتْ فيما يقول، والصِّدقُ عمودُ كلِّ كلامٍ مؤثِّرٍ مُقْنِعٍ.
إنَّ الأديبَ الملتزِمَ كالطائر السَّابح المُنطلِق، لا قَيْد يُمْسِكُه، ولا غل يلتفُّ حول يديه، أو جناحيه، أو عُنُقِه؛ إنَّه يمضي في هذا الفضاء الرَّحْب الفسيح، شادياً للحرية والبهاء والجمال..