إنَّ وقوفَه على الحياد، أو موقفَ عدمِ المبالاة، أوِ انسحابَه إلى عوالِمَ ذاتيَّةٍ أو خياليَّةٍ لَعارٌ ما بعده عارٌ، وهو في حقِّ المسلم أكثرُ عاراً؛ فقد جعله الله مستخلَفاً في الأرض، وشاهداً على النَّاس.
إنَّ على الأديب - وهو رائدٌ لا يكذِب أهلَه - أن يَنْظُرَ فيما حوله، وأن يحدِّدَ موقِفَهُ بجلاءٍ ووضوحٍ؛ ليعرفَ أين يضع قَدَمَهُ، وفي أيِّ جهةٍ يسيرُ.
إنَّ الالتزامَ بهذا المفهومِ هو حيويةٌ وإيجابيةٌ، إنه يَعني في هذا الواقع المتحرِّك بسرعةٍ أنَّنا طرَفٌ فيه أو جزءٌ منه، نُساعدُ في صُنْعه، وفي تحمُّل مسؤوليَّة ما يجري على سطحه، بدلاً من أن ننظر إليه مشدوهين حيارَى، أو نجريَ وراء الآخَرِين مثلَ قطيع الأغنام.
وإنَّ الالتزامَ يجعلُ الأدبَ نشاطاً جادّاً فعَّالاً، ذا تأثيرٍ في مسار الحياة، وفي حركتها - وذلك يُكْسِبُه المصداقيَّة والقيمة، ولو أخذنا برأي أصحاب (الفن للفن) ، وبرأي بعض المدارس الحَدَاثِيَّة المعاصرة، التي تنحو منحى (الفنِّ للفنِّ) على صُوَرٍ مختلفةٍ؛ لسَقَطَتْ منزلةُ الأدب؛ لأنه سيتحوَّلُ عندئذٍ إلى حُلىً لفظيَّةٍ، وزخارفَ كلاميَّةٍ، لا غرضَ لها أبعد من ذلك.
إنَّ الالتزام يجعل الأدب غَيْرِيّاً، مرتبطاً بالآخر، منشغلاً به، ينبِضُ بهمومه وإحساساته، ويعيش أفراحَهُ وأتراحَهُ، بدلاً من انغلاقه على ذاته، واجْتِرَارِهِ مشاعرَ فرديةً، أو هُيَامِه في أودية الخيال المسرِِف المُجَنّح.
إنَّ الالتزام يتماشى مع سُنَّة الله في الكون؛ ومن ذلك الكلمة؛ فهي أمانةٌ ومسؤوليةٌ؛ بل هي أعظمُ مِنَّةٍ امْتَنَّ الله بها على الإنسان؛ {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن:1-4] .