وانطلاقاً من هذه الحقيقة الإيمانية يستطيعُ الداعيةُ توجيهَ القلوب إلى معالي الأمور وتبصير الناس بأخطار إعراضهم عن هذه الحقيقة أو نسيانها، وما يجره انشغالُهم عنها من خسارة يجدون غِبَّها {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: 30] .
فالعاقل يحرص أن يتزود خيرَ زاد وأفضلَه، ليَقْدَم منزلَه الجديد هادئَ النفس مطمئنَّ البال، وليس مِنْ زادٍ يعدلُ التقوى أو يضاهيها {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197] .
الترغيب والترهيب:
إن أسلوب الترغيب والترهيب من الأساليب التربوية المؤثرة في تهذيب النفوس، وصقل القلوب، وترسيخ معالم الإيمان، وحسبنا: أنه أسلوب القرآن الكريم في بناء الشخصية الإيمانية، وصياغتها الصياغة الربانية.
ومن يتلو القرآن يجدُ بين دفتيه مصداقَ ما نقول، فقد جاءت الآيات تترى تحذر من العقاب وسوء الحساب، وتبين عاقبة الإعراض عن منهج الله -عز وجل-.
كما يجد آيات الترغيب في الخير والبر، والتشويق إلى الطاعة والإيمان، وبيان عقبى المؤمنين، وما أعد الله تعالى لهم من الكرامة {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} [الرعد: 35] .
وغير هذا كثير، وكثير جداً.
فالمربي الناجح يحرص على الإفادة من هذا المنهج الرباني ولا يحيد عنه، وقد رأينا كيف أن الصحابي الجليل عتبة بن غزوان -رضي الله عنه- سلك مسلك القرآن، وبيَّن لجمهوره من صفة النار ما تنخلعُ منه القلوب، وتقشعرُّ من هوله الجلود (لقد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم، فيهوي فيها سبعين خريفًا لا يدرك لها قعرًا) .