ولقد رأيتُني وأنا سابعُ سبعة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى قَرِحَت أشداقُنا منه. وإني التقطت بردة فشققتُها بيني وبين سعد بن مالك فاتَّزر بنصفها، واتزرتُ بنصفها، فما منا أحد اليوم حيّاً إلا أصبح أمير مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً، وعند الله صغيراً، وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت، حتى يكون عاقبتها مُلكاً، وستبلون، وستُجربون الأمراءَ بعدنا) [2] .
إنه لتوجيه حكيم من مُرَبٍّ نبيه، أدرك -بسلامة حسه وصفاء قلبه- واقعَ الناس، وأن النفوس تطمح إلى المزيد من زهرة الحياة الدنيا، وأن الرغبات تنجذب نحوها، والناس يبنون قصوراً شاهقات من الآمال في اقتنائها، والتمتع بها، ويرسُمون مستقبل حياتهم على ضوء ما يؤملون، هذه حقيقة يدركها من يعايش الناس ويخالطهم.
وإنه لداء قديم حديث، لا يفلت منه إلا من رحم الله (وقليل ما هم) ، ولا علاج لهذا الداء إلا بتقرير حقيقته، وتقريبها إلى الأفهام، حتى لكأنها رأي عين، وسمع أذن.
ولقد أجاد الصحابي الجليل عتبة بن غزوان -رضي الله عنه- وأفاد عندما بين لنا أن الدنيا قد دنت شمسُها من المغيب، وآذن نجمُها بالأفول، وما يُرَى من زينتها إنما هو متاع قليل، وإنه لأقل وأحقر من أن تصرف في تحصيله الأوقات، فضلاً عن إفناء الأعمار.
ثم هب أن باغي الدنيا نال منها مناه، فماذا عساه يصنع، وهي دار زوال، لا بقاء فيها ولا استقرار!
إنه لعجز بذوي الهمم العالية: أن يكون غاية همهم متاعاً زائلاً، ونعيماً متحولاَ.
الآخرة هي دار القرار:
لا يماري عاقل أن الدنيا إلى زوال، وأن الآخرة هي دار القرار، إنها حقيقة إيمانية، عقدية، أثبتها الوحي، وبينها الرسل، وجلاها القرآن أوضح جلاء وأتمه: {إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر: 39] .