فهرس الكتاب

الصفحة 2918 من 19127

ثم سؤال آخر يطرحه المرء هنا: ما الحكمة في تخصيص آية النحل بوصف المنعم، وآية إبراهيم بوصف المنعم عليه ؟ والجواب أن سياق الآية في سورة إبراهيم في وصف الإِنسان وما جبل عليه. فناسب ذكر ذلك عقيب أوصافه. وأما آية النحل فسيقت في وصف الله تعالى وإثبات ألوهيته وتحقيق صفاته، فناسب ذكر وصفه سبحانه [139] .

وختاماً، وبعد بيان مظاهر الإِعجاز البياني للقرآن الكريم يظهر بطلان القول بالصرفة.

وأول من قال بهذا الرأي النظام [140] المعتزلي. ومراده بالصرفة أن الله سبحانه صرف همم العرب في زمن الرسالة عن معارضة القرآن، والإِتيان بمثله. أي أن القرآن ليس معجزاً لفصاحة ألفاظه وبلاغته وحسن نظمه وإنما لصرف الله العرب عن الإِتيان بمثله. ولولا صرف الله العرب عن الإِتيان بمثل القرآن لأتوا بمثله، وهم أهل الفصاحة والبيان.

ويرى النظام أن وجه إعجاز القرآن يكمن في إخباره عن الغيوب [141] ولم يرتض المعتزلة قول النظام وأكثرهم على تكفيره [142] .

وقول النظام بالصرفة يرجع إلى قاعدة الحسن والقبح العقليين عند المعتزلة، وملخصها: أن كل ما رآه العقل حسناً، فهو عند الله حسن ومطلوب الفعل، وكل ما رآه العقل قبيحاً فهو عند الله قبيح ومطلوب الترك. ومن وجهة نظر النظام العقل لا يحيل على العرب وهم أهل الفصاحة والبلاغة والبيان، أن يأتوا بمثل القرآن لولا أن الله صرف هممهم. فجعل النظام ما رآه العقل حكماً في هذه المسألة وهو الفصل فيها، مع أن مقولته منقوضة بعدة أدلة نقلية وعقلية منها [143] :

-قوله تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [144] .

فهذه الآية تدل على بطلان القول بالصرفة لأنه لو كان إعجاز القرآن يكمن في صرف العرب عن الإِتيان بمثله لما كان في اجتماع الإِنس والجن فائدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت