ويلاحظ أن الفاصلة القرآنية تأتي مكملة للمعنى الذي قبلها ومناسبة له بحيث لو تغيرت اختل المعنى... يدرك هذا كل من عنده ذوق أدبي.
حَكَى الأصمعي [132] قال: (( كنت أقرأ: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءَ بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ والله غفور رحيم وبجنبي أعرابي فقال: كلام من هذا ؟ فقلت: كلام الله. قال أعد فأعدت. فقال ليس هذا كلام الله. فانتبهت فقرأت {وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [133] فقال: أصبت هذا كلام الله. فقلت أتقرأ القرآن. قال: لا. فقلت: من أين علمت ؟ فقال: يا هذا عز فحكم فقطع، ولو غفر فرحم لما قطع ) ) [134] .
وقد يسأل سائل ما الحكمة في أن بعض الفواصل غريبة اللفظ مثل كلمة ضيزى في قوله تعالى: {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [135] ، فكلمة ضيزى بمعنى جائرة أو ظالمة، فلماذا عدل عن الكلمات المألوفة إلى الكلمة غير المألوفة.
والجواب على هذا السؤال من وجهين:
الأول: من جهة حسن النظم والتناسق فإن سورة النجم تنتهي فواصلها بالألف المقصورة فناسب أن تكون الفاصلة كلمة ضيزى لا كلمة جائرة أو ظالمة.
الثاني: إن نسبة البنات إلى الله ونسبة الأولاد إليهم أمر في أشد الغرابة فناسب أن يعبر عنه بلفظ غريب تنبيهاً على غرابة القسمة [136] .
وقد تختلف الفاصلتان في موضعين والمُحَدَّث عنه واحد وذلك لنكتة لطيفة. ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوهَآ إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [137] ، وقوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَآ إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [138] .
ففي الآية الأولى يقول الحق جل وعلا للإِنسان إذا حصلت النعم الكثيرة فأنت آخذها وأنا معطيها فحصل لك عند أخذها وصفان: كونك ظلوماً وكونك كفاراً. وفي الآية الثانية يقول الحق سبحانه للإِنسان ولي عند إعطاء النعمة لك وصفان وهما أني: غفور رحيم، أُقابِل ظُلْمَك بغفراني وكفرك برحمتي.