ولا أعني بذلك الكلمة القرآنية المفردة، وإنما مكانة الكلمة في النظم القرآني المعجز لأن قيمة المفردات ليست ذاتية وإنما تعود قيمتها إلى مكانها من النظم المعجز الأخاذ، ومعلوم أن التحدي لم يحصل بالكلمة بل أقل ما حصل بسورة. ويظهر الإِعجاز اللغوي في الكلمة القرآنية من عدة وجوه:
الأول: الكلمة في القرآن مسوقة في موقعها المناسب لتؤدي المعنى المراد وتتلاءم من الناحية اللفظية والمعنوية مع ما قبلها وما بعدها خذ مثالاً لذلك قوله تعالى: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَالَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ} [85] ، فلو استبدلت كلمة الفجر بكلمة الصبح أو كلمة الوتر بكلمة الفرد أو كلمة الحجر بكلمة العقل لاختل حسن نظم الكلمات.
وتأمل أيضاً كلمة يسر تجد أن الياء حُذفت منها للانسجام مع كلمة الفجر، عشر، الوتر، الحجر.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّا} [86] فلو تقدمت كلمة مني على كلمة العظم لاختل النظم في الآيات ولأحسست بما يشبه الكسر في وزن الشعر [87] .
الثاني: أن الكلمة القرآنية مسوقة في موقعها المناسب بحيث تعطي بمدلولها ما تلقيه من ظلال المعنى المراد بكماله وتمامه مع ما فيه من إيحاءات، ولو استبدلت بغيرها ما استفيد المعنى المراد. وقد تجد كلمة في القرآن الكريم تعبر عن معنى يعجز البشر عن التعبير عنه إلا بِعِدَّةِ كلمات.
خذ مثالاً لذلك، كلمة استقاموا في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ...} [88] ، فقد جمعت هذه الكلمة الإِتيان بالخير كله والبعد عن الشر كله [89] .