وقد استعمل التكرار في القرآن جرياً على عادة العرب في كلامهم، يقول الزَرْكشي [62] :"وقد غلط من أنكر كونه من أساليب الفصاحة، ظناً أنه لا فائدة له، وليس كذلك، بل هو من محاسنها لاسيما إذا تعلق بعضه ببعض، وذلك أن عادة العرب في خطاباتها إذا أبهمت بشيء إرادةً لتحقيقه وقرب وقوعه، أو قصدت الدعاء عليه، كررته توكيداً، وكأنها تقيم تكراره مقام المقسم عليه، أو الاجتهاد في الدعاء عليه، حيث تقصد الدعاء، وإنما نزل القرآن بلسانهم" [63] .
وقبل أن أجمل أغراض وفوائد التكرار في القرآن الكريم أسوق للقارئ صوراً من التكرار في الشعر الجاهلي لبيان أنه من أساليب العرب المتبعة في الكلام.
مثال ذلك شعر المهلهل بن ربيعة بمناسبة حرب البسوس يصف الأيام التي كانت الدائرة فيها لبني تغلب على بكر [64] :
على أن ليس عدلاً من كليب إذَا رَجَفَ العِضَاةُ من الدَّبُور [65]
على أن ليس عَدْلاً من كُليب إذا طُرِدَ اليتيمُ عن الجَزوُرِ
على أن ليس عدلاً من كليب إذا ما ضِيمَ جيرانُ المُجيرِ
على أن ليس عدلاً من كليبِ إذا خِيفَ الَمخُوف من الثُّغُور
على أن ليس عدلاً من كليب غداةَ بَلابِل الأَمْرِ الكبير [66]
على أن ليس عدلاً من كليب إذا هبَّتْ رياحُ الزمهرير
على أن ليس عدلاً من كليب إذا وثب المثار على المثِير
على أن ليس عدلاً من كليب إذا برزت مُخَبَّأَةُ الُخدورِ
على أن ليس عدلاً من كليب إذا عَلنت نَجِيَّاتُ الأمور
ومن ذلك قصيدة الحارث بن عباد [67] بمناسبة حرب البسوس التي مطلعها:
كل شيء مصيره للزوال غير ربي وصالح الأعمال
ثم يقول في قصيدته:
قرِّبا مَرْبط النَّعامة مني لقحَت حرب وائل عن حِيَال [68]
قرِّبا مَرْبط النَّعامة مني ليس قولي يرادُ لكنْ فعَالِي
قرِّبا مَربط النَّعامة مني جَدَّ نَوْحُ النِّساء بالإِعوال
قرِّبا مَرْبط النعامة مني شابَ رأسي وأنكرتني الْعَوالي
قرِّبا مَرْبط النعامة مني لِلسُّرى والغُدُوِّ والآصال