ج17: هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم؛ أي إذا رُئِيَ الهلال في بلد من بلاد المسلمين وثبتت رؤيته شرعًا، فهل يلزم بقيَّة المسلمين أن يعملوا بمقتضى هذه الرؤية؟ فمِنْ أهل العلم مَن قال: إنه يلزمهم أن يعملوا بمقتضى هذه الرؤية، واستدلوا بعموم قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] . ويقول النبي - صلى الله عليه وسلّم: (( إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا ) ) [17] . قالوا: والخِطَاب عام لجميع المسلمين. ومن المعلوم أنه لا يُراد به رؤية كل إنسان بنفسه؛ لأن هذا مُتَعَذَّر، وإنما المراد بذلك إذا رآه مَن يثبت برؤيته دخول الشهر. وهذا عام في كل مكان. وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه إذا اختلفت المطالع فلكل مكان رؤيته، وإذا لم تختلف المطالع فإنه يجب على مَن لم يروه إذا ثبتت رؤيته بمكان يوافقهم في المطالع أن يعملوا بمقتضى هذه الرؤية. واستدلَّ هؤلاء بنفس ما استدلَّ به الأولون فقالوا: إن الله تعالى يقول: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} . ومن المعلوم أنه لا يُراد بذلك رؤية كل إنسان بمفرده. فيعمل به في المكان الذي رُئِيَ فيه، وفي كل مكان يوافقهم في مطالع الهلال. أما مَن لا يوافقهم في مطالع الهلال فإنه لم يره لا حقيقة ولا حُكْمًا.. قالوا: وكذلك نقول في قول النبي - صلى الله عليه وسلّم: (( إِذَا رَأَيْتُمُوه فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا ) ) [18] . فإنَّ مَن كان في مكان لا يوافق مكان الرائي في مطالع الهلال لم يكن رآه لا حقيقة ولا حُكْمًا، قالوا: والتوقيت الشهري؛ كالتوقيت اليومي. فكما أن البلاد تختلف في الإمساك والإفطار اليومي، فكذلك يجب أن تختلف في الإمساك والإفطار الشهري، ومن المعلوم أن الاختلاف اليومي له أثره باتفاق المسلمين، فمن كانوا في الشرق فإنهم يمسكون قبل مَن كانوا في