وبهذا نبتعد عن إيحاء المصطلحات السابقة، وعما قد تسببه في مفاهيم بعض الناس اليوم، فكم فهم الناس اليوم خطأ أحكام دار الحرب، فطبقوها على كثير من بلاد الشرق والغرب!! وهم يعيشون فيها آمنين مطمئنين، يطبقون فيها أحكام الشرع على أنفسهم وأسرهم بحرية قد لا يجدون مثلها في بعض بلادهم الإسلامية!!
فاستباح بعضهم فيها بعض المحرمات، وخرج بعضهم على بعض أنظمتها وقوانينها باسم الإسلام وفقهه، والإسلام من ذلك براء!!
ولكم وقع بعضهم في استباحة (( الربا ) )فيها متعللين بقول الإمام أبي حنيفة - رحمه الله - (( أن لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب ) )!!
وقد غفل هؤلاء عن ضرورة مطابقة هذه المصطلحات للبلدان التي يقيمون فيها من جهة، وعن أن (( الربا ) )الذي قال بجوازه الإمام أبو حنيفة في دار الحرب يختلف عن الربا الحالي القائم اختلافاً جذرياً لا يمكن معه القول بجوازه على جميع الأقوال [50] ، من جهة أخرى.
ومن أمثلة المصطلحات الجديدة التي يطرحها بعض المفكرين اليوم، لتسمية ما يفقده المسلمون من بلادهم باستيلاء الكفار عليها، مصطلح (( دار الاسترداد ) )لتشعر التسمية بأن أصل هذه الدار دار إسلام من جهة، كما تشعر بالواجب على المسلمين تجاهها من جهة أخرى، - كما هو الحال في الأندلس، وفلسطين وغيرها - وهو توجه حسن في رأيي.
ويحسن بنا في هذا المقام أن نشير إلى فتوى العلامة أبي زهرة - رحمه الله - لما تحدث عن الواقع الذي يعيشه المسلمون اليوم، وعن مدى إمكان وصف بلدان الشرق والغرب بدار حرب أو إسلام؟ قال:"إنه يجب أن يلاحظ أن العالم الآن تجمعه منظمة واحدة، قد التزم كل أعضائها بقانونها ونظمها، وحكم الإسلام في هذه: أنه يجب الوفاء بكل العهود والالتزامات التي تلتزمها الدول الإسلامية، عملاً بقانون الوفاء بالعهد الذي قرره القرآن الكريم، وعلى ذلك: لا تعد ديار المخالفين التي تنتمي لهذه المؤسسة العالمية (دار حرب) ابتداء، بل تعتبر دار عهد" [51] .