بقيت ملاحظة لابد من التنبيه إليها في هذا المقام وهي: إنه قد يَفْهَمُ بعضُ المسلمين، (( العلاقةَ الدعوية ) )فهماً خاطئاً، فَيُجَرَّون بسببه إلى بعض التنازلات في المبادئ، أو المسامحات غير الشرعية في المناهج أو الأساليب أو الوسائل، فتغيبُ تلك العلاقةُ أو تتشوّه، أو يذوبُ المسلم في تلك المجتمعات وتميع شخصيتُه - كما يحدث في كثير من الأحيان.
لذلك كان لابد لتوضيح ذلك، من تمثيل موقف الداعية من المدعوّين على مختَلف أنواعهم، بموقفِ الطبيب من المرضى والمصابين بالأمراض الخطيرة المُعْدية، حيث يعيش الطبيب مع هؤلاء المرضى ويخالطهم بحذر ويقظة، مخافة أن تتسرب إليه أمراضهم خِلْسَةً عن طريق (( ميكروب دقيق، أو فَيْروسٍ خفي ) )، وقد يأخذُ الطبيب لنفسه بعضَ التحصينات والتلقيحات، ويتَّخِذُ من أجل ذلك بعضَ الاحتياطات، تحقيقاً منه للتوازن المفروض بين طبيعته التي تنفر من الأمراض من جهة، وبين وظيفته التي تتطلب منه أن يعيش بين المصابين بهذه الأمراض من جهة أخرى.
وكذلك، فإن على المسلم الداعية أن يوازن بين طبيعته السليمة وخصائصه الفريدة، وبين وظيفته السامية التي تتطلب منه الخروجَ إلى الناس، والاحتكاكَ بهم لدعوتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وإنقاذهم من الضلالة إلى الهدى، وقد جاء في الحديث الشريف: (( إن المسلم إذا كان يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، خيرٌ من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ) ) [14] .
2 - (( تحديدُ مصطلحات ) )دار الإسلام، ودار الكفر، ودار الحرب، ودار العهد، وبيانُ نشأتِها، وبعضِ آثارها:
لابد قبل الدخول في تحديد هذه المصطلحات، من مقدمة تاريخية تكشف عن نشأتها وأصولها، وقد سبق أن أشرت في حديثي فيما مضى إلى علاقة هذا الموضوع بالقانون الدولي العام عند المسلمين، الذي وضع أساسه القرآن الكريم، وأوضحت حدودَه السنةُ النبوية الشريفة، وظهرت فيه أقوالُ العلماء واجتهاداتهم..