وبما أن الزمان يتقارب، ويزداد تقاربه يوما بعد يوم حتى تمضي الشهور والأعوام ولا يحس الناس بها، ومشاغل الناس وطموحاتهم تتجاوز أعمارهم بأضعاف مضاعفة، بما أن الأمر كذلك فإن العاقل من الناس من يرتب أعماله؛ فيقدم الأهم منها على المهم، والفاضل على المفضول، وما يبقى على ما يفنى، فإذا ما تعارض عمل الدنيا مع عمل الآخرة، قدم عمل الآخرة؛ لأنها خير وأبقى.
وإذا تزاحمت الأعمال الصالحة عليه قدم الفرائض على النوافل، والواجبات على المندوبات، وقدم ما كان نفعه متعديا على ما كان نفعه قاصرا، وإذا ما أدرك أزمنة فاضلة كالجمعة ورمضان وعشر ذي الحجة خصها بمزيد عناية واهتمام؛ لفضيلة العمل الصالح فيها، وأهل التجارة يخصون مواسمهم بمزيد عناية واهتمام، ولا ينبغي أن يكون طلاب الدنيا أكثر حصافة واهتبالا للفرص من طلاب الآخرة.
إن أعمارنا وإن طالت لن تستوعب آمالنا وطموحاتنا ومشاريعنا التي تزداد يوما بعد يوم مع نقص أعمارنا في كل يوم يمضي علينا، ومن الخسارة العظيمة أن يمضي عمر أحدنا وقد فُرق عليه أمره، وشُتت شمله، وقسا قلبه، وهو لا يزال يَعِدُ نفسه بأعمال صالحة كثيرة، ولكنها ظلت حبيسة أمانيه ووعوده، ولم تحظ بشيء من وقته وعمره حتى وُسد في قبره.
إنكم يا عباد الله تستقبلون موسما من مواسم الآخرة، وسيحظى من أدركه منكم بعطية من عطايا ربكم عز وجل، فحرام عليه ثم حرام أن يفرط فيه، ولا يوليه عنايته واهتمامه.
موسم من أدركه فلم يغفر له فهو محروم، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (رَغمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْه شَهْرُ رَمَضَانَ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ) صححه ابن خزيمة وابن حبان.