الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ هدى من شاء من عباده للإسلام والإيمان، وجاد عليهم بأنواع الخير والإحسان، وشرع لهم الصيام والقيام {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183] .
أما بعد: فاتقوا الله ربكم -أيها المسلمون- وأحسنوا استقبال شهركم بالتوبة من الذنوب، والاجتهاد في الأعمال الصالحة؛ فإنكم مرتهنون في قبوركم وآخرتكم بأعمالكم {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الجَزَاءَ الأَوْفَى} [النَّجم:39-41] وفي آية أخرى {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدَّثر:38] .
أيها المسلمون: إن مما نشاهده ونحسه قلة البركة في الأوقات والأعمار رغم قرب المسافات، وكثرة وسائل الاتصال والمواصلات، وهذا مصداق للحديث النبوي في تقارب الزمان.
إن الناس في زمننا هذا مشغولون دائما ولا ينتجون شيئا، ويلهثون باستمرار ولا ينجزون إلا القليل من الأعمال، ووصل أهل القبور قبورهم وقد كان لهم في الدنيا آمال وطموحات، وأعمال ومشروعات حال بينهم وبينها الموت، ففارقوا الدنيا ولم تنته مشاغلهم وآمالهم.
وفي زمن ثورة المواصلات والاتصالات التي قربت البعيد، واختصرت الزمان والمكان؛ فإن الأرحام تقطع، ويتهاجر الجيران، ويمكث القريب عن قريبه وهو في مدينته زمنا طويلا يتعدى أشهرا وربما يتجاوز السنة، وقد يمرض ولا يعلم عنه شيئا، وكل منهما مشغول عن الآخر، ولا نتائج تذكر من وراء هذه الأشغال.