ولو أنني ذهبت أتتبع ما جاء من آراء أولئك الأعلام في الاحتجاج بالحديث لخرجت عن القصد، ولأن المقام يقتضينا الإكتفاء بالصورة المجملة عن الإسهاب. وحسبي أن أورد رأياً لبعضهم فقال: (أما الاستدلال بالحديث فقد اختلف النحويون حول الاستشهاد به نظراً لإمكان الرواية بالمعنى. ولكننا إذا ذكرنا التشديد في الضبط والتحري في نقل الأحاديث عند النقلة والمحدثين جاز الاستشهاد بما يغلب على الظن صحته منه، وحتى ما يمكن أن يكون قد روي بالمعنى فقد روي في زمن كانت اللغة فيه ما تزال في مهدها نقيةً صحيحة) [16] . لقد أصاب به شواكل المراد، وطبق مفاصل السداد. لأنه حجة دامغة على من أعرض عن الإحتجاج بالحديث. ولو اعتمدوه لكان قياسهم أنور وأصفى، وبحوثهم أدق وأوفى.
في استشهادهم بالحديث قبل ابن منظور:
إن نحن نظرنا نظرة فاحصة إلى المعاجم اللغوية التي ظهرت قبل معجم لسان العرب، وعلى استشهاد مؤلفيها بالحديث يظهر لنا بجلاء ووضوح أنهم اعتمدوا على الحديث في الاستدلال دون أن يبدي أحد منهم إنكاراً، وإن كان اعتمادهم عليه يختلف كثرة قلة. ويعثر على ما ذكرناه من أراده في غير إجهاد ومعاناة، ويستشفه بصره حيثما حل على صفحاتها.
وقد اعتمدت في طلب تحقيق ما وسمت به العنوان من متون المعاجم [17] الآتية:
1 -العين: للخليل بن أحمد الفراهيدي. (ت 175هـ) [18] .
2 -جمهرة اللغة: لابن دري (ت 321هـ) [19] .
3 -التهذيب: للأزهري. (ت 370هـ) [20] .
4 -الصحاح: للجوهري. (ت 393هـ) [21] .
5 -المحكم: لابن سيده. (ت 458هـ) [22] .
6 -النهاية في غريب الحديث والأثر. لابن الأثير. (606هـ) [23] .
وقمين بنا أن نورد مثلاً واحداً لكل معجم من هذه المعاجم ليتجلى لنا اعتماد مؤلفيها على الحديث في الاحتجاج به.