والجواب عن هذا - وإن كان العلماء قد بحثوه من كل جانب - ما أنا مورده في إيجاز ولكن فيه الغناء. إن جوهر الاختلاف اختلاف الموقف بين (المعجم والصيغ والتراكيب) . فالمعجم يعتمد على المعنى، وهو غير موضع للنزاع. أما الصيغ والتراكيب فيعتمدان على صحة النطق وروايته. ومن ثم حدث الخلاف. (وبعبارة لغوية حديثه. إن علماءنا فرقوا بين الاستشهاد بالحديث بين المستوى الوظيفي والمستوى المعجمي فرفض الأول، وقبل الثاني) [15] .
والحق أن ليس في كلام هذا الفريق من النحويين نصيب من الوجاهة والرجاحة، وليس من يعتصم به يأوي إلى حصن حصين في القياس. وحجتهم أن تراءى لهم أن الأحاديث مروية معنىً لا لفظاً فأعرضوا عن الاستشهاد بها. وما لرأيهم ضحى. ولقد تنكبوا طريق الصواب بعملهم هذا. فالأحاديث التي ثبتت صحتها متناً وسنداً هي من لفظ الرسول (صلى الله عليه وسلم) إن كان قولاً، ومن لفظ الصحابي إن كان عملاً. فالرسول أفصح العرب، وبلغ أسمى صور الكلام العربي الفصيح، إذ لا تعهد العربية في تأريخها بعد القرآن الكريم بياناً أبلغ من الكلام النبوي، ولا أروع تأثيراً، ولا أفعل في النفس، ولا أصح لفظاً، ولا أقوم معنى.
والصحابة هم أعلام الفصاحة. فهل لقائل أن يقول: إننا لا نستطيع الاستشهاد بكلام الرسول أو الصحابي في إثبات مادة لغوية، أو دعم قاعدة نحوية أو صرفية.
وقد كان من المنهج الحق السليم الذي لا يختل أبداً، هو أن يبنوا قياسهم في تقعيد القواعد النحوية على القرآن الكريم أولاً، ثم يعطفوا على الحديث فيجعلوه أصلاً ثانياً، وعلى اللغات التي اعتمدوها أصلاً ثالثاً.