فهرس الكتاب

الصفحة 2670 من 19127

قال الجاحظ - وهو الناقد البصير بدقائق الكلام: قال في وصف كلام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : (وهو الكلام الذي قلَّ عدد حروفه وكثرت معانيه، وجلَّ عن الصنعة، ونزه عن التكلف، وكان كما قال تبارك وتعالى: قال يا محمد: {وما أنا من المتكلفين} [9] . وكيف وقد عاب التشديق وجانب أصحاب التقعيب [10] ، واستعمل في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشيّ، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام حُفَّ بالعصمة، وشُيِّد بالتأييد، ويسَّرَ بالتوفيق. وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة، وغشّاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حُسن الإفهام، وقلة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته، وقلّة حاجة السامع إلى معاودته. لم تسقط له كلمة، ولا زلّت به قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبزّ الخطب الطوال بالكلم القصار، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلجَ إلا بالحق [11] ، ولا يستعين بالخلابَة، ولا يستعمل المواربة، ولا يهمز ولا يلمز [12] ، ولا يبطئ ولا يعجل، ولا يسهب ولا يحصر [13] ، ثم لم يسمع الناس بكلام قطّ أعمَّ نفعاً، ولا أقصد لفظاً، ولا أعدل وزناً، ولا أجمل مذهباً. ولا أكرم مطلباً، ولا أحسن موقعاً، ولا أسهل مخرجاً، ولا أفصح معنىً، ولا أبين فحوى، من كلامه صلى الله عليه وسلم) [14] .

في ضوء ما تقدم من وصف البلاغة النبوية، لسائل أن يقول بعد ذلك: يبدو من سابق حديثك أن البلاغة النبوية بلغت الذروة بعد القرآن الكريم. فلماذا استشهد أصحاب المعاجم بالحديث، ولم يستشهد به فريق من النحويين؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت