ولعل من الخير أن أنبه في هذا المقام إلى أن بلاغة الرسول (صلى الله عليه وسلم) كانت من نوع ما قد يتوهم بعض القراء في بعض الحديث الأخير من غرابة وأن ذلك مصدر إعجاب صحابته. كلا فقد كان (صلى الله عليه وسلم) بعيداً أشد البعد عن الغريب. وإنما هي مجازات. والغرابة بالمجاز محمودة. وربما أغرب حين يخاطب من ليس من قريش فيكون ما يتكلم به غير مألوف لقومه، ولكنه لغة المخاطبين وبغيره لا يفقهون فهو يحدثهم بما يفهمون. روى المبرد في الكامل أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي تميمة الهجيمي: (( إياك والمخيلة ) ). فقال يا رسول الله: نحن قوم عرب فما المخيلة؟ قال: (( سبل الإزار ) ) [7] .
هذا طرف من وصف بلاغة الرسول (صلى الله عليه وسلم) التي - كما يقول الرافعي -:"سجدت الأفكار لأيتها وحسرت العقول دون غايتها، ألفاظ يعمرها قلب متصل بجلال خالقه، ويصقلها لسان نزل عليه القرآن بحقائقه فهي إن لم تكن من الوحي، ولكنها حادث من سبيله، وإن لم يكن منه دليل فقد كانت هي من دليله" [8] .