وهنا يشير كاهين إلى الخدمات التي قام بها المستشرقون في نشر التراث العربي، والتعريف به، ولكنه يعترف ببعض ثغرات الاستشراق التي نجمت عنِ الظروف التي لازمت القضية الاستشراقية، أو أحاطت بها، ولاسيما الظاهرة الاستعمارية ولكن ذلك كما يقول: لا يجوز أن يجعلنا نقع في دائرة التطرُّف المضادِّ الذي ينكر كل قيمة للأبحاث التي أنجزت ضمن ذلك المناخ.
ويؤكد كلود كاهين أن على المستشرقين أن يعيدوا النظر في تلك الدراسات التي كتبت من وحي نظرة خارجية، تعيد التوازن إلى الأمور، ويُلِحُّ من جديد على دراسة المجتمعات الشرقية من داخلها، ويدعو الباحثين العرب، والمَشَارِقَةَ إلى الاستفادة من منجَزات العلوم، والمناهج الحديثة في دراسة مجتمعاتهم بهدف الكشف عن الجوانب التي قد لا يدرك المستشرقون أبعادها، ولا يحسنون تصورها.
مكسيم رودنسون:
لقد خَصَّصَ هذا المستشرق مقالاتٍ عديدةً دافع بها عن الاستشراق، ورد فيها على ما طرحه أنور عبد الملك، وإدوار سعيد من اتهامات للمستشرقين:
ففي مقالته"الدراسات العربية - الإسلامية في أوربا"تحدث رودنسون عن نشوء الاستشراق، والظروف التي أحاطت بتلك النشأة، وأشار إلى مناهج المستشرقين في إطارها التاريخي ـ الفيلولوجي، ثم دعا إلى تطوير تلك المناهج، وإدخال مناهج جديدة كالأَلْسُنِيَّة، والسوسيولوجية، والأنثربولوجية.
وقدِ اعترف ببعض ثغرات الاستشراق، ونواقصه إذ قال:"لا يزال الكثير منَ المستشرقين سُجناءَ الاستشراق، إنهم منغلقون على أنفسهم داخل غيتو، إن مفهوم الاستشراق ناتج عن ضرورات عملية عابرة، التقى عندها العلماء الأوربيون المتمرسون بدراسة الثقافات الأخرى، وقد تَدَعَّمَ هذا المفهوم بواسطة هيمنة مجتمعهم على المجتمعات الأخرى، وشوهت هذه الحالة بقوة رؤيتهم للأشياء".