فأصحاب الحق يدركون أن الله يدافع عن الذين آمنوا فلا يمتنعون عن أي دعوة للسلم، وأولو النهى لا يترددون في الاستفادة من كافة الموائد التي تسمح بالاستزادة من العلم، لكن حين يأتي الحوار من السفارة لا من الجامعة، ومن جهات سياسية لا من المراكز العلمية، فالتجربة دلت على أنه في الغالب تطبيع مع ما تمنعت عنه الذات من أفكار، وتمهيد لصياغة مستقبلات غدت ممكنة محورها تهميش الصوت الراشد وتبويئ صاحب اللغو مراكز القرار.
ذلك، وقد علمنا الوحي وأنبأنا التاريخ أن صاحب اللغو كان للخسارة حليفا، وحسبنا لمزيد من الأمل في أن تكون لثقافانا النصرة، ويكون الحوار منا مفتوحا لأي كان مع العزة والقوة، أن كيد الشيطان كان على الدوام ضعيفا.
المدخل
يكثر الحديث في ثقافتنا وأدبياتنا، منذ عقود وإلى اليوم، أن العلمانية بأوروبا هي نتاج ثورة الشعوب الأوروبية على الكنيسة، مع ابتسار واضح لدور رجال الدين المسيحي من داخل الكنيسة نفسها في بلورة الفكر العلماني، وتجاهل لجهود ومواقف عديد من المتدينين - المشاركين بقوة في برامج تنشيط العمل الكنسي - في صياغة الفكر الحداثي، وتغاض عن ما قام به أولئك الرجال جميعا من ثورة ليبرالية ثقافية وفكرية في وجه الاستبداد الكنسي.