ما أذكر أني تخلفت عن محاضرة من محاضراته، بل إني كنت ألحق به إلى كلية الشريعة فاستمع إلى محاضراته هنالك.
وانقضت السنة الأولى ونجحت في مادته، وكنت الأول فيها على أقراني، ولكني لم أترك محاضراته أبدا، ولم يكن يحاضر إلا على طلبة السنة الأولى، فكنت تراني كلما سنحت لي الفرصة أنسل بين طلبة السنة الأولى فأقاسمهم متعة الحضور عند الشيخ عاصم البيطار، ومن هنا أن تعرفت إلى كثير من نجباء الطلبة في الدفعات التي تلت دفعتنا من مثل الأستاذ الدكتور محمد الدالي، والأستاذ الدكتور عبد الكريم حسين، والأستاذ عمر مارديني، والأستاذ صالح السمر، وغيرهم ممن صار ملء السمع والبصر.
ولازلت أذكر تلك المحاضرات التي كانت تبدأ بمناقضات شعرية يتزعمها طالبان من شعراء تلك الدفعة لقب أولهما نفسه بالثعلب، ولقب الآخر نفسه بالعقرب، وعشنا بينهما زمنا رغدا صنعه شيخنا البيطار رحمه الله.
وكنت أختلف إلى مكتبه في القسم أسأله عن أشياء عنّت لي أو صعبت عليّ أرجو منه بسط الكلام عليها، وكثيرا ما كنت ألقى أستاذنا النّفاخ هناك- وكانا في مكتب واحد- فما أذكر أني سألته عن مسألة بحضور النّفاخ إلا أحالها إلى النّفاخ بأدب بالغ وخلق كريم نادر.
ولم نكن آنذاك نجرؤ على سؤال النّفاخ أو حتى الكلام معه، بل نكتفي بسماع محاضراته ثم نتهيب أن نلقاه، فكان لقاؤنا له بمعيّة الأستاذ عاصم تمهيدا لصحبته وملازمته التي امتدت نحوا من خمسة عشر عاما نهلنا من علمه ما شاء الله لنا أن ننهل، وأفدنا من معرفته ما شاء الله لنا أن نفيد. رحمهما الله وبرد مضجعيهما، وجزاهما عن العربية وأهلها خير الجزاء.