فهرس الكتاب

الصفحة 2412 من 19127

فكما أن لكل قصيدة مطلعا يحشد فيه الشاعر كل فنه وبلاغته وظرفه وطرافته كذلك كان لكل محاضرة من محاضرات الأستاذ عاصم مطلع يأخذ فيه بيد الطلبة إلى بحر النحو العميق، فإما أن يبتدئ ببيت شعر، أو آية كريمة، أو حديث شريف، أو قصة نادرة، أو خبر طريف، أو مثل معجب، أو قصيدة وافاه بها طالب من الطلاب، أو حدث كان له أثر في الناس والمجتمع، أو طرفة يحكيها، أو حكمة يرويها، أو حادثة جرت له في الجامعة، أو من أحد من رجالات العلم الذين تطرب لذكرهم الأسماع وتشد لسيرتهم الألباب، ويحلو بحديثهم المكان والزمان. وما هو إلا أن تجد نفسك وسط بحث من بحوث النحو أو درس من دروس الصرف، أو إعراب من الأعاريب أو تحليل من التحليلات، يرسمه الأستاذ على السبورة بخط بلغ الغاية في التجويد والإتقان والملاحة والإحسان،وكأنه اللوحة الساحرة أبدعتها ريشة فنان.

ويأتي كل ذلك سهلا ميسورا لا تكاد تجد فيه أي عنت أو صعوبة.فما كان أحد في محاضرة شيخنا البيطار يشعر بملل أو يداخله الملال، وما كان أحد في محاضرة شيخنا البيطار ينصرف عنه بكلمة أو يتشاغل عنه بحديث، بل كان الجميع يستمعون وكأن على رؤوسهم الطير، ويحدجونه بأبصارهم وينصتون إليه بأسماعهم ويحفونه بقلوبهم.

أرأيت إلى الشاعرالملهم ينشد وسط الجموع قصيدة عصماء والقلوب تهفو إليه من كل جانب... أرأيت إلى الخطيب المصقع يهدر بخطبة عصماء والجموع تحيط به من كل جانب...

أرأيت إلى الإمام الخاشع يؤم جموع المصلين يتلو آيات الرحمن يحبرها تحبيرا والمؤتمون مأخوذون بما يرتل متابعون لما يتلو. كأني بالأستاذ عاصم كان كذلك رحمه الله وأسبغ عليه شآبيب مغفرته.

كان - والله - سمحا سهلا، كأنما بينه وبين القلوب نسب، أو بينه وبين الحياة سبب، وإنما هو عيادة مريض وتحفة قادم وواسطة عقد.

فتى صيغ من ماء البشاشة وجهه فألفاظه جود وأنفاسه مجد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت