ويتابع حديثه ليقول أنها مقدسة لأنها من حيث هي سبيل إلى تحقيق غرض آخر وهي من هذه الناحية مقدسة وهي من هذه النتيجة مبتذلة، ويتابع حديثه ليقول أنها مقدسة لأنها لغة القرآن ومبتذلة لأنها لا تدرس لنفسها ثم يقول أن الدارس لا يستطيع أن يتناول هذه اللغة بشيء لأنها مقدسة ولأن العلوم الدينية هي المقدسة والجديرة بالاهتمام. سوف نرجئ الرد عليه حتى نرى ما هي هذه الحرية التي يريدها وكيف يريد أن يجرد اللغة من قداستها - كما يقول هو في الظاهر - وهو في الحقيقة إنما يريد أن يجردها من مهمتها الدينية إذ بلفتة بسيطة نستطيع أن ندرك أن هذه القداسة للغة العربية جاءتها من أنها لغة القرآن فإذا فصلنا بينها وبينه وبين هذا الدين فسيحقق غرضه وستظل اللغة غير مقدسة كما يريد. والحرية التي يريدها الدكتور طه أن يدرس الأدب كما يدرس العالم الطب أو علم الحيوان أو النبات لا يخشى في دراسته هذه أي سلطان. وأخيرًا يلخص نظريته فيقول:
"والأدب في حاجة إذن إلى هذه الحرية هو في حاجة إلى أن لا يعتبر علمًا دينيًا ولا وسيلة دينية. وهو في حاجة أن يتحرر من هذا التقديس".
ويضرب لذلك مثلًا: كيف استقامت فنون التصوير والتمثيل والأدب في أوربا لما تخلصت من ظلام القرون الوسطى وسيطرة رجال الدين والحكم وقاعدته الأخيرة: فلتكن قاعدتنا إذن أن الأدب ليس علمًا من علوم الوسائل يدرس لفهم القرآن والحديث فقط - وفقط هذه للاستدراك التطييبي إذا صح التعبير - وإنما هو علم يدرس لنفسه ويقصد به قبل كل شيء إلى تذوق الجمل الفني فيما يؤثر من الكلام.