صحيح أن هناك أدبًا يعني بالقيم المثالية والروحية ولكن ماذا يصنع هذا الأدب حينما يعبر عن هذه الأشياء؟ فهو لا يزيد على أن يحببنا بالفضيلة والخير والجمال عن طريق إثارة الذوق والخيال والعاطفة، فهو إذن أدب مترف مبهرج يخاطب النواحي الفضولية عند الإنسان لا مكامن الثورة والطاقة فيه. إنه أدب يدغدغ عواطفك وأفكارك ولا يحرقها بوهج الفكرة وشعاع الإيمان...
لقد تكلم الأوروبيون كثيرًا وملؤا الدنيا بكتبهم وقصصهم. فهل أدخلوا الفضيلة إلى قلب إنسان، هل غيروا المجتمع إلى أفضل، هل صار الإنسان إنسانًا في أدبهم وفنهم...؟ إن أدبهم لا يزيد على أن يعقد المشكلة بل أنه ليجعل المشكلة أساسًا لفنه وإطارًا لعمله. ونحن بهذا قد عالجنا إلى هنا الجانب المشرق من أدبهم فما بالك لو طالعت أدب الهروب والضياع والإنحلال الذي شاعت كثير من أفكاره ومصطلاحاته في أدبنا حتى صرنا نجد من أدبائنا الشباب من يلون كتبه وأسلوبه بألفاظ من مثل: (الوجه الشمعي - القوائم السائل - اللحن المحترق - العالم الضبابي - وجهه كدودة ضخمة بيضاء - كمية من الضجيج المبهم - العالم الزجاجي المتحنط اللامنسجم - اللامنتمي - الوجودي) هذه التعابير التي أخذوها عن عالم لا يفهم معنى الوجود ومعنى الأخلاق عالم منبت الجذور منقطع الأصول، يعيش في كل ساعة من ساعات نهاره ألوانًا بشعة من الرزيلة والحقد والتفاهة فالقيم معدومة ولا سبيل هناك إلى راحة العقل أو الضمير أو الشعور، ماذا يجري هناك بالنسبة للإنسان الذي تعطل عقله (أي تمييزه) وتعطل ضميره (أي أخلاقه) وإنسانيته (أي قلبه) سوف نستطيع أن نتمثل الصورة بسهولة، لابد من طاقة من الغرائز - على حد تعبير المفاهيم الجديدة - تسيير الإنسان، كحب البقاء والأثرة وحب التسلط وإشباع الرغبات الجنسية والميول الأخرى التي تنتج عن الميل والهوى بأكثر مما تنتج عن الحب والإيمان والإيثار. لقد عطل الإنسان الغربي حينما عطل إيمانه كثيرًا من