إذن فالأمرُ كان أصعبَ مما نعانيه الآن من هجوم شرس على الإسلام، والحال كان أظلمَ وأشدَّ قتامة، لكنّ أبا بكر لم يهن، ولم تَلِن له قناةٌ، وإنما أصر على تأمين حدود الدولة الإسلامية ضد أي خطر مرتقب من الخارج عن طريق بعث جيش أسامة، والضرب بيد من حديد على كل من سولت له نفسُه وشيطانه الخروجَ على الإسلام في الداخل..
ولما قال له الناس: إن هؤلاء (أي جيش أسامة) جُل المسلمين، والعربُ على ما ترى قد انتقضت بك، فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعةَ المسلمين، رد عليهم:"والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننتُ أن السباع تخطفني لأنفذتُ بعث أسامة كما أمر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته"...
وما هي إلا ساعات حتى انتهت مناقشة هذا الأمر مع مجموع أهل الشورى الموجودين بالمدينة، فودع أسامة وجيشه إلى حيث أوصاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمسير، وجمع مَن عنده قدرة على حمل السلاح من الأعراب الذين كانوا يسكنون حول المدينة ليكوّن منهم جيشَ دفاع داخلي..
ثم جعل كبارَ الصحابة في نقاطِ مراقبة على منافذ المدينة إلى البادية، ومنهم علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود..
جدد طلبه من أهل المدينة أن يكونوا في المسجد استعدادًا لكل طارئ، وقال لهم:"إن الأرض حولنا كافرة، وقد رأى وفدهم قلة، وإنكم لا تدرون أليلًا تؤتون أم نهارًا، وأدناهم منكم على بريد، وقد كان القوم يأمُلون أن نقبل منهم ونوادعهم، وقد أبينا عليهم، ونبذنا إليهم عهدهم، فاستعدوا وأعدّوا".