لذا لم يمض سوى عام على تولي أبي بكر الصديق الخلافة حتى عمت السكينة سائر الجزيرة العربية، وصارت أهدأ من حالها قبل وفاة رسول الله، والآن كل فرد مسلم مطالب بأن يقوم بعمله لحماية الإسلام من خطر الردة، وأن يعلم أن ذلك من باب الفروض عليه، ولا يعني ذلك أن نحمل السلاح في وجوه الناس، وإنما يشارك الواعظ بموعظته، والعالم بحجته، والمدرس بتربيته، وولي الأمر بتحصين من يعوله ضد فكر هؤلاء المنحرف، والمحامي بدفاعه، والقاضي بحكمه..
النقطة العاشرة: أن كثيرًا من القبائل العربية لما رأت الهزائم تتوالى على المرتدين أسرعت إلى العودة إلى الإسلام، كما حدث من بني عامر وبني سليم وهوازن، إذ أسرعوا إلى الإنابة إلى الله لما وجدوا الهزيمة قد حلت بطليحة الأسدي وعيينة بن حصن، وكانوا من قبل يخافون من شوكتهما، ويقولون: ننظر من تكون له الكرة فنتبعه، فهل يا ترى ما مصير هؤلاء لو تساهل أبو بكر الصديق مع المرتدين، ألم يكن ذلك سيجرئهم على الخروج على الإسلام هم أيضًا؟؟..
والآن ننظر كيف واجه أبو بكر -رضي الله عنه- هؤلاء:
قال عروة بن الزبير: لما بويع أبو بكر -رضي الله عنه- ارتدت العرب إما عامة (أي بإعلان الخروج من الإسلام) وإما خاصة (أي بالامتناع عن الزكاة) في كل قبيلة، ونَجَمَ النفاقُ، واشرأبت اليهودُ والنصارى، والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيهم -صلى الله عليه وسلم- وقلتهم وكثرة عدوهم..
بهذا الموقف استقبل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- خلافته، ومع فداحته إلا أنه انتظر ما هو أشد فداحة منه، فقال لمن حوله لما جاءتهم هذه الأخبار:"لن تبرحوا حتى تجيء رسل أمرائكم وغيرهم بأدهى مما وصفتم وأمرُّ، فلم يلبثوا أن قدمت كتبُ أمراء النبي -صلى الله عليه وسلم- الذين أرسلهم قبيل وفاته من كل مكان بانتفاضة عامة أو خاصة، وتبسطهم بأنواع الميل على المسلمين.."