ولم تمض سوى أيام ثلاثة على تشييع جيش أسامة حتى داهمت المدينةَ غاراتُ المرتدين ليلًا، وذلك بعد أن اطمأنوا إلى أن جيش أسامة قد ابتعد عن المدينة وأوغل في البعد، فأوصل المراقبون خبرَ زحفهم إلى أبي بكر الذي كان مرابطًا بمن معه في المسجد إلى الحراس على مداخل المدينة أن اثبُتوا لهم حتى يلحق بهم، ثم أسرع إليهم بمن معه، فانهزم المغيرون وولوا الأدبار، ولحقهم المسلمون على إبلهم حتى قابلوهم في مكان يسمى بـ (ذي حسى) ..
لكن المسلمين فوجئوا بأن هؤلاء المغيرين ما هم إلا طليعة لجيش يختبئ خلف الجبال، فلما اشتبكوا معهم أخرجوا قِرَبًا لهم قد نفخوها كحيلة لتخويف الإبل، ودحرجوها بأرجلهم في وجه إبل المسلمين، فنفرت الإبل خوفًا منها حتى انقلبت بمن يركبها من المسلمين إلى المدينة واضطرب صفهم، فشق الأمر عليهم، وسعد المرتدون بذلك الحدث الذي كان من الممكن أن يكون بداية لتضييق الخناق على المدينة ومن فيها..
لكن أبا بكر -رضي الله عنه- لم يمهلهم، وإنما سابق بهم الزمن، وأعاد ترتيب جيشه صباح اليوم التالي بحيث يستغني عن الإبل تمامًا، ثم خرج إليهم ماشيًا في آخر الليل بجيشه مخليا الإبل بالمدينة، وعلى الميمنة النعمان بن مُقَرّن، وعلى الميسرة عبد الله بن مقرن، وعلى الساقة سويد بن مقرن، فما أصبح الصباح إلا والمسلمون يعجلونهم بالسيف، فولوا الأدبار، وتبعهم المسلمون إلى (ذي القصة) ، وهناك ترك أبو بكر النعمان بن مقرن في عدد من المسلمين، ورجع هو بالناس إلى المدينة، بعد أن أمنها من الخطر مسافة أميال عدة.