لأنَّ عَضُدَ الدولة كان يحبُّ هذا البيت، وينشده كثيرًا، لا لأنَّ أبا تمام يستشهد بشعره [28] .
وذهب بعض علماء العربية إلى صحة الاستشهاد بكلام من يوثَق به من المُحْدَثين.
وجَنَحَ إلى هذا المذهب الزمخشريُّ، فقد استشهد ببيتٍ لأبي تمام في أوائل سورة البقرة من (( الكشاف ) ) (43:1) ، وقال: وهو وإن كان مُحْدَثًا لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فأَجْعَلُ ما يقولهُ بمنزلة ما يرويه، ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيتُ الحماسة، فيقتنعون بذلك؛ لوثوقهم بروايته وإتقانه.
ونحا هذا النحو الرَّضيُّ، فقد استشهد بشعر أبي تمَّام في عدة مواع من شرحه لـ (( كافية ابن الحاجب ) ) [29] .
وجرى على هذا المذهب الشهابُ الخفاجيُّ فقال في (( شرح درة الغواص ) ): أجعل ما يقوله المتنبي بمنزلة ما يرويه [30] .
وضُعِّفَ هذا المذهبُ من ناحية أن الرواية تعتمد على الضبط والعدالة. أما الثقةُ بصحة الكلام، أو فصاحتِه فمدارُها على مَنْ يتكلم بالعربية بمقتضى النشأة والفطرة.
وكيف يُحْتَجُّ بأقوال هاؤلاء المولَّدِيْنَ وقد وقعوا في أغلاط كثيرة، لا يستطيع أحدٌ تخريجها على وجه مقبول.
فإن ذُكِرَتْ أقوالهم على سبيل الاستئناس به، ولم تجعل دليلًا فلا بأس به.
ولا يُفْتَحُ بابُ الاحتجاج بأقوال المولَّدِيْنَ؛ كيلا يلزم الاستدلال بكل ما وقع في كلام المحدثين، كالحريري وأضرابه، والحجة فيما رووه، لا فيما رأوه، وقد خطَّأوا المتنبي وأبا تمام والبحتري في أشياء كثيرة، كما هو مسطور في شرح تلك الدواوين، ويرى ذلك بوضوح في كتب النحو والصرف.
وليس بسديد أن تُصَحِّحَ بعض الكَلِمِ أو الأساليب، استنادًا على استعمالات العلماء في مصنفاتهم إن وردت مخالفة لأساليب العرب في عصور الاحتجاج، فلكل جَوَادٍ كَبْوَةٌ، ولكل صارمٍ نَبْوَةٌ.