قال أبو نصر الفارابيُّ في (( الألفاظ والحروف ) ): (.. وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضَرِيٍّ قط، ولا عن سُكَّان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم التي تجاور سائِرَ الأمم الذين حولهم؛ فإنه لم يُؤْخَذْ لا من لَخْمٍ، ولا من جُذَام؛ لمجاورتهم أهل مصر والقِبْط، ولا من قضاعة، ولا من غسَّان، ولا من إياد؛ لمجاورتهم أهل الشام، وأكثرهم نصارى يقرأون في صلاتهم بالعبرانية، ولا من النَّمِرِ، فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونانية، ولا من بكر لمجاورتهم للنَّبَطِ والفرس، ولا من أزْدِ عمان، لمخالطتهم للهند والفرس، ولا من أهل اليمن [14] أصلًا، لمخالطتهم للهند والحبشة، ولولادة الحبشة فيهم، ولا من بني حنيفة، وسكان اليمامة، ولا من ثقيف، وسكان الطائف، لمخالطتهم تُجَّار الأمم المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم.
والذي نقل اللغة واللسان العربي عن هؤلاء، وأثبتها في كتاب، وصيَّرها علمًا وصناعة، هم أهل الكوفة والبصرة فقط، من بين أمصار العرب [15] .
ونقل ذلك أبو حيان في (( شرح التسهيل ) )معترضًا به على ابن مالك حيث عني [16] في كتبه بنقل لغة لَخْمٍ وخزاعة وقضاعة، وغيرهم، وقال: ليس ذلك من عادة أئمة هذا الشأن [17] .
ثم الاعتماد على ما رواه الثقاتُ عنهم بالأسانيد المعتبرة من نثرهم، ونظمهم وقد دُوِّنَتْ دواوينُ عن العرب الْعَرْباءِ كثيرة مشهورة، كـ (( ديوان امريء القيس ) )والطِّرِمَّاح وزهير وجرير والفرزدق وغيرهم [18] .
هذه موارد الشواهد النحوية والصرفية عند البصريين الذين كانوا يتشددون في الأخذ والتحمل، ولا يقبلون كلام من اختلط بالحواضر.
ففي (( طبقات فحول الشعراء ) )- 1: 12 -: (كان لأهل البصرة في العربية قُدْمَةٌ [19] ، وبالنحو ولغات العَرَب والغريب عناية) . انتهى.