فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 19127

اسهمت رحلة أبي العباس السابقة الذكر في تكوينه العلمي وإعداده إعدادًا راسخًا. كما عبر عنه المراكشي، فإنه قد عاد (( برواية واسعة وفوائد جمة، وجلب كتبًا نافعة وتصانيف غريبة ) ) [161] . ومسألة جمعه للكتب وشرائها ونسخها على اختلاف مواضيعها وتنوعها مسألة معروفة عنه قبل رحلته، وقد ساعده على ذلك كونه موسعًا عليه في معيشته، بحكم حرفته المربحة، فإذا ما انضاف إليها زهده في الدنيا وحبه البالغ للعلم [162] أمكن أن نتصور ما يكون قد جمعه من تلك الكتب النفيسة.

انصرف أبو العباس قبل رحلته وبعدها إلى علومه، ينميها، ويعلمها، ويدونها، وإلى حرفته يمارسها ويرفدها بما يتراكم لديه من علم فيها، ويمكن أن نقسم مناشط الرجل العلمية إلى ثلاثة مجالات:

أ - ممارسة الصيدلة وما يلازمها من معرفة النبات الطبي. فقد عاد أبو العباس إلى دكانه ليمارس حرفته فيه وقد ذكر ذلك أكثر من معاصر له، كابن الأبار الذي التقى به في ذلك الدكان أكثر من مرة وجالسه فيه [163] ، وأبي الحسن بن سعيد (610 - 685هـ/ 1213 - 1286م) الذي ذكر مجالسته له في إشبيلية بعد عودته [164] . وقد كان ناجحًا في حرفته رائج الشهرة فيها يذكر ذلك معاصره وأحد أصحاب ولده المراكشي، فيصف إقبال الناس عليه لحاجتهم إليه مما يستغرق معظم وقته (( إذ كان حسن العلاج في طبه، مورود الموضع لثقته ودينه، أمام أهل المغرب قاطبة في معرفة النبات، وتمييز الأعشاب وتحليتها وعلم منافعها ومضارها، غير مدافع عنه ولا منازع فيه ) ) [165] وقد كرر آخرون من معاصريه من أهل المغرب هذه الشهادة [166] . بل وجاوز ذلك حدود المغرب إلى المشرق عندما ذكره مؤرخ الأطباء ابن أبي أصيبعة بأنه: (( اتقن علم النبات ومعرفة أشخاص الأدوية وقواها، ومنافعها واختلاف أوصافها، وتباين مواطنها، وله الذكر الشائع والسمعة الحسنة، كثير الخير.. محقق الأمور الطبية ) ) [167] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت