حل أبو العباس بحلب، ولم يحصل له سماع للحديث بها لأن من سعى إلى لقائه كان مريضًا [137] ففاته ذلك. ولكنه اطلع على بعض نباتات المكان واستخداماتها الطبية. ويقول في حديث له يسوقه عن نبات المميثا: (( ورأيته بالشام على ما وصف. ورأيت منها نوعًا صغيرًا جدًا ينبت بين الصخور الجبلية، وأهل حلب يستعملونه في علاج العين ويسميها بعضهم بالحضض ) ) [138] . على أن أطرف تجربة له في تلك المدينة هي لقاؤه هناك بالعالم الشهير ومؤرخ سير الحكماء والنحاة القاضي أبي الحسن علي بن يوسف الشيباني، المعروف بابن القفطي (568 - 646هـ/ 1172 - 1248م) ولم يخبرنا أبو العباس بذلك اللقاء، إنما القفطي هو الذي فعل ذلك. فقد دعا القفطي أبا العباس إلى داره. ويبدو أنهما تحادثا في أمور شتى، من بينها ما أخبر أبو العباس به صاحبه من أنه حمل معه في بداية رحلته من إشبيلية حتى تونس كتاب (( تعليم المتعلم ) )في أربعين مجلدًا، وهناك أخذه منه وزير الموحدين في تونس بطريقة فيها بعض العسف الشيء الذي أغضب ابن القفطي [139] . كما يقول ابن القفطي (( اجتمعت به وتفاوضنا في ذكر الحشائش ) ) [140] وكلاهما ممن عرف بطول باعه في هذا العلم، ولا يتوفر لدينا، للأسف الشديد، ما ينبئنا بما دار بينهما عن هذا الموضوع [141] ، إلا أن المقري يورد نصًا لحوار بين أحدهم وابن الرومية يمكن أن يكون الطرف المجهول فيه هو ابن القفطي ومفاده (( قال بعضهم: اجتمعت به، وتفاوضت معه في ذكر الحشائش، فقلت له: قصب الذريرة قد ذكر في كتب الطب، وذكروا أنه يستعمل منه شيء كثير، وهذا يدل على أنه كان موجودًا كثيرًا، وأما الآن فلا يوجد، ولا يخبر عنه مخبر، فقال(أي أبو العباس) : هو موجود، وإنما لا يعلمون اين يطلبونه، فقلت له: وأين هو. فقال: بالأحواز منه شيء كثير )) [142] ويتضح بأن أبا العباس ترك لدى ابن القفطي انطباعًا جيدًا عن علمه بحيث عده أعقل من رأى [143] ، وهذا يزيد من استغرابنا عندما لا نجد ترجمة