وانظر إلى قصيدته البائية في مدح صلاح الدين كيف تتجلى الذاتية في غزله، بل يباشر بها الاستهلال في حوار عاتب:
حتَّام أرضى من هواك وتغضب وإلى متى تجني عليَّ وتعتبُ
ما كان لي لولا ملالك زلَّةٌ لمّا مَلِلْتَ زعمت أني مذنب
خذ في أفانين الصدود فإن لي قلبًا على العلات لا يُتَغلَّبُ
أتظنُّني أضمرتُ بعدك سلوةً هيهات عطفُك من سلوي أقربُ
لي فيك نار جوانحٍ ما تنطفي حرقًا وماء مدامع ما ينضبُ
قالت وريعت من بياض مفارقي وشحوب جسمي: بأن منك الأطيبُ [29]
فالقارئ يحس بحضوره في كل بيت:
وابن عنين من الشعراء المحترفين يمتدح المعظم عيسى بن العادل بعينية تظهر ذاتيته في مقدمتها الغزلية، والموضوعية في المدح وتعود الذاتية في شكوى الغربة فهو في مطلعها لا يذيع سر أهل الحمى الذي نأى عنه [30] :
ما سر سكان الحمى بمذاع عندي ولا عهد الهوى بمضاع
أين الحمى مني سقى الله الحمى ريَّا وكان له الحفيظ الراعي
ويجرد الأبيات من ذاته في المدح:
ليث الشرى في متن أجدل كاسر يسطو بصلٍّ في ثياب شجاع [31]
ملك فواضلُ جوده مبثوثة في الأرض تسأل عن ذوي الإِدقاع
خُلقتْ أناملُهُ لحطم مُثقفٍ ولفل هندي وحفظ يراع
وتعود ذاته في شكواه من الغربة:
فإلى متى أنا بالسفار أضيع الأيا م بين الشدِّ والأَيضاع
حِلفَ الرَحالة والدَّجى فرواحلي ما تأتلي ممعوطة الأنساع
بينا أُصبِّحُ بالسلام محلة حتى أمسي أهلها بوداع [32]
ودواوين شعراء الاحتراف تزخر بالقصائد المطولات التي يدبجونها في المناسبات؛ كالتهاني بالأعياد، أو الانتصارات الحربية، أو تهنئة بتولي السلطة، أو الرثاء.
ولا قناعة لهم بالمقطوعات الشعرية، فمعظم دواوينهم قصائد حتى إنهم يطيلون في الألغاز والأحاجي لتبلغ أكثر من عشرة أبيات، وتتجاوز خمسة عشر بيتًا أحيانًا كما هو عند ابن عُنين.