كثافة المضمون التي يقتضيها الموقف، فليس من المنطق أن يقف الشاعر لينشد مقطوعة شعرية أو قصيدة قصيرة، إذًا عليه أن يحشد المضامين ثم ينتظمها في منظومة شكلية خطابية، ومن هنا تعددت موضوعات القصيدة، فطالت قصائدهم، وغلبت على دواوينهم.
وتقتضي أيضًا الإِتقان في الصنعة لأنها تنشد على ملأ من علية القوم ومثقفيهم وعلى مسمع من المتنافسين والمتبارين.
ولابد من طول الأبحر الشعرية كيما تحتوي مضمونًا كثيفًا.
ويغلب عليها اختيار الألفاظ القوية المكونة من حروف الحلق حيث الجهر والفخامة، وتتركب من هذه الألفاظ تراكيب جزلة فيتلوها الشاعر بصوت جهوري.
الموضوعية:
وتسود أشعارهم النظرة الموضوعية التي تعمد إلى وصف الأشياء وصفًا خارجًا بعيدًا عن التأثر الذاتي في أغلب الأحيان. ونحن لا نلتمس الذاتية في قصائد المدح عند الشعراء المحترفين إلا في الغزل الذي يدبج في مقدمة القصائد، وتلتمسه في طلب النوال والشكوى التي يستدربها، وماعدا ذلك فالشاعر يجرد نفسه وينأى بها عن الحضور الذاتي داخل كل بيت أو أي موضوع من الموضوعات.
ونتيجة لذلك فإن القصائد التي تخلو من المقدمات الغزلية، لا تظهر فيها روح الشاعر ولا شخصيته، ولو حذفت من ديوانه لا تُعرف إلا بالأسلوب الذاتي للشاعر. ومرد كل هذا لعدم تلبس الشعر بتجربة ذاتية تتأطر القصيدة بأطر زمانها ومكانها ونوعيتها، كقصيدة سبط التعاويذي الهمزية في الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله عام 572هـ فيستهلها بالأخبار بالماضي ليثبت الحدث. ثم يتبعه بخمسة عشر بيتًا تبتدئ بالفعل الماضي، وكأنه يستوحي أعمال الخليفة من الماضي.
خَجِلَتْ من عطائك الأنواءُ وتجلَّت بنورك الظلماءُ
واستجابت لك الممالك إذعا نًا وفيها على سواك إباءُ
أصبحت في يديك واتَّفقت طو عًا عليك القلوب والأهواءُ
نسخ العدل في إيالتك الجو ر كما ينسخ الظلامَ الضياءُ
وأهنت المال العزيز على غير ك حتى استوى الثرى والثراءُ [28]