فالقصيدة تستهل بمقدمة مختلفة الموضوعات متواصلة الوشائج؛ فالمقدمة إيحاء بموضوع القصيدة، أو ترمز له، وقد أدرك تلك العلاقة الأوائل فابن رشيق يروي عن الحاتمي (( من حكم النسيب الذي يفتتح به الشاعر كلامه، أن يكون ممزوجًا بما بعده من مدح وذم غير منفصل عنه، فإن القصيدة مثلها مثل خلق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر، وباينه في صحة التركيب غادر الجسم عاهة، تتخون محاسنه وتُعفِّى معالم جماله [4] .
وأكثر الشعراء المحترفين المتزمنين مع الحروب الصليبية ينقحون الشعر، ويطيلون النظر في بنيته، وتركيبته وسياقاته، وجمالياته.
فابن الدهان (ت581هـ) يقول قصيدة على لسان الحكيم بن النقاش يمدح فيها ناصر الدين، ويعرض بوعد مطله النواب فيستهل القصيدة بغزل يدور حول مطل الحبيب مما يشير إلى حدث القصيدة:
من مجيري من ظالم مستطيل ومعيني على اقتضاء المطول
حسن ليس محسنًا بمحبٍ وجميل ما عنده من جميل
لج قلبي وقد لج في الإعرا ض عني ولجَّ فيه عذولي
أبدًا ظامئ إلى خمر ثغر ما إلى سلسبيله من سبيل
ويجمع بالإشارة بين رسول المحبوب ورسول الممدوح فيقول:
أبدًا يرجع الرسول إليه مثل ما عاد من دمشق رسولي
ثم يعقبه بالتصريح إلى مطل النواب:
منعوه الذي تطولتَ يامو لاي بعد المطال والتطويل [5]
فالشعراء يشاكلون بين هدف القصيدة، ومضمون النسيب، فسبط التعاويذي يغضب منه الوزير عضد الدولة لمدح منافسه، فيستعطفه ويعتذر إليه بهذه القصيدة فيستهل بالاعتذار لمحبوبته التي أضناه شوقها، وأعتراه الأسى بعد هجرها وأنها تناست العهد القديم، وكان يرجو دوام الود في القرب والبعد:-
أبثكم أني مشوق بكم صبُّ وأن فؤادي للأسى بعدكم نهبُ
تناسيتم عهدي كأني مذنب وما كان لي لولا ملالكم ذنبُ
فكأنه يشير إلى أن الممدوح نسي المدائح التي دبجها التعاويذي فيه ويقول:
وقد كنت أرجو أن تكونوا على النوى كما كنتم أيام يجمعنا القرب