وأزعم أن الشعراء المحترفين يمرون بمرحلة المطبوعين الذين تأتيهم المعاني سهوًا ورهوًا، وتنثال عليهم انثيالًا، لكنهم يزيدون طلبًا للكمال، واستزادة للجمال، وطردًا للعيوب، وتنسيقًا للبناء، وتشييدًا للتركيب. ودعمًا للدلالة ويقول عنهم الجاحظ:"ومن شعراء العرب من كان يدع القصيدة تمكث عنده حولًا كريتًا، وزمنًا طويلًا يردد فيها نظره، ويجبل فيها عقله، ويقلب فيها رأيه، اتهامًا لعقله، وتتبعًا على نفسه، فيجعل عقله زمامًا على رأيه، ورأيه عيارًا على شعره، إشفاقًا على أدبه، وإحرازًا لما خوله الله من نعمته."
وكانوا يسمون تلك القصائد: الحوليات، والمقلدات، والمنقحات، والمحكمات؛ ليصير قائلها فحلًا خنذيذًا وشاعرًا مفلقًا" [2] ."
وأميل إلى أن الصنعة الشعرية تماثل الصنعة التقنية، فإذا كان الصانع في المهنة خبيرًا مدربًا معتمدًا على العلم، والمعرفة والتجربة فإن صناعته تخرج متكاملة يظهر جمالها في اكتمال جوانبها، فإذا كان الشاعر يمتلك الموهبة والتكوين الذهني، والممارسة أفلا يكون من الخير أن يجيل النظر ليشيد البناء ويكون صرحًا ممردًا.
والأقدمون يسمون ذلك تكلفًا: (( ومن الشعراء المتكلف والمطبوع؛ فالمتكلف هو الذي قوَّم بالثقاف، ونقحه بطول التفتيش، وأعاد فيه النظر كزهير والحطيئة ) ) [3] .
وأرى أن التكلف يتأتى ممن لا موهبة، ولا خبرة له، فهو إنما يقتحم الشعر اقتحامًا، أما أولئك فقد اكتملت لديهم عناصر تكوين الشاعرية، فهم إنما يأخذون به إلى الأفضل. وكثير من الشعراء المحترفين المتزامنين مع الحروب الصليبية، ينقحون الشعر، ويطيلون النظر في بنيته، وتراكيبه، وسياقاته وجمالياته.
بناء القصيدة:
والشعراء المحترفون المقلدون التزموا بمناهج الشعر القديمة في إطارين هما: بناء القصيدة، وتعدد الأغراض في الديوان عامة.