فإذًا لما بُنِيَتْ هذه الأمة أُحْكِمَ بناؤُها، يوم صيغت هذه الأمة صياغة شرعية إسلامية أُحْكِمَتْ صياغتها، لأنَّ البانيَ كان هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بناها بالقرآن، وظلَّ فيها نحو 23 سنة، وهو يبني ويصوغ ويؤسِّس، فبناها أفرادًا وجماعات، بناها دولةً ومُجْتَمعًا، بناها على القِيَم الإسلامية، وعلى المُسْتَوى العالي، فكانت هذه الأمة - حينما خرجت لهذه الدنيا بهذا البناء المُحْكَم - قويَّة سَيِّدة، لها الشهادة على الناس، لها الإمامة على غيرها.
وحينما اندفعت إلى رسالتها أَدَّتْها بأمانة وقُوَّة، واستطاعت أن تُوَصِّل الإسلام إلى أقصى الشرق والغرب، وأن تُعَمِّمه في هذه الدنيا، كل ذلك؛ لأنها انطلقت ببنائها المُحْكَم، وانطلقت مُنْضَبِطَة بكتاب الله - عز وجل-، فهي أمة القرآن، وحينما كانت تنطلق بالقرآن كانت تُحْدِثُ العَجَب العُجَاب، ولكن حينما تَخَلَّتْ عنه وقع لها ما وَقَع.
• المرحلة الثانية: ظلَّتِ الأُمَّة الإسلامية قرونًا وهي قويَّة مُتَماسِكَة، تُعْطِي وتنتج عطاءً إسلاميًّا ما زال بين أظهرنا إلى الآن، لكن نجد أنها قد مَرَّتْ بمرحلة أخرى هي مَرْحلة الضَّعْف الذي كان بسبب هجمة العدو الصَّليبي عليها، بحيث حينما تَفَرَّقَتْ كلماتُها، وانْسَاقَتْ وراء الدنيا، وتَقَسَّمَتْ، وانْشَقَّتْ - فكانت وِلايات وإمارات وجماعات؛ ظَنَّ - حينئذ - الغَرْب الصَّليبي ومن ورائه الصِّهْيَوْنِيَّة، أنَّ وضع الأمة الإسلاميَّة يومئذ صار فُرْصة للانْقِضَاض عليها، وإنهاء وجودها من التاريخ، واجْتِثَاث حضارتها بالمَرَّة، فَشَنَّ عليها حربه - التي أعلنها - مُقَدَّسة.