لكن الأمة حينما رَأَتْ الخطر يَتَهَدَّدها، ويحيط بها كلها، وأن القصد منه هو اجتثاث أصول هذه الأمة، واقتلاع جذورها من أرض التاريخ، طبعًا كان لابد من أن ترجع إلى رُشْدِها، وتستعيد وَعْيها، وأدركت أنها لا يُمْكِنُ أنْ تُوَاجِهَ هذا الخطر إلا إذا رجَعَتْ إلى مَصادِرِ قُوَّتها، وليس لهذه الأمة قوةٌ إلا في الرُّجوع للقرآن وشريعته، وقِيَمِه، وحضارته، وبهذا اسْتَطَاعت أن تَصُدَّ تلك الهجمات الشَّرِسَة، فدامت المُؤامَرَات، والحروب مُدَّة طويلة انتهت بانتصار المسلمين، وبسبب وحدتهم، ورجوعهم إلى رُشْدِهم الإسلامي، وإلى وَعْيِهِم الإيماني.
يومها علم العدو الصليبي أن هذه الأمة ما دامت تنطلق - في أمرها، وفي تخطيطها، وفي تدبيرها - من القرآن، وقيم القرآن، وشريعته، وأحكامه فإنها لن تُقْهَر. هذا دَرْس أخذه العدو الصليبي يومئذ، فوضع السِّلاح المادي، وراح يبحث عن سلاح آخر، وكان ذلك هو العُكُوف على تراث هذه الأمة- تراثها الحضاري، والوقوف عليه، والتعرف فيه على مواطن القوة والضعف، والمَدِّ والجَزْرِ - فكانت النتيجة بعد قرون من الدراسة، والبحث، والعكوف أن أُعِيدَ أسلوب الحرب والغزو، فانقلبت الحرب العَسْكريَّة حربًا فكريَّة، وحربًا عَقَدِيَّة، القصد منها إحداث خَلْخَلَة، وقطيعة بين الفكر الإسلامي وبين الواقع، بين المسلمين وبين كتاب الله - عز وجل-، هذه القطيعة هي التي من شأنها أن تُضْعِف، وتفشل العزائم، وتُضْعِفُ الهِمَمَ في هذه الأمة.