ثم كان رحيل أبي العباس عن مصر ميممًا شطر مكة، ولا يظهر لنا أنه سلك الطريق البحري، ونعني به النزول مع مجرى نهر النيل إلى الجنوب من مصر حتى مدينة قوص، ثم التشريق عبر الصحراء الشرقية إلى ميناء عيذاب على ساحل البحر الأحمر ومنه إلى جدة عبر البحر وهو الطريق الذي سلكه ابن جبير قبل حوالي (35) عامًا [109] ، ولكن يبدو أنه توجه برًا من القاهرة إلى جنوب بلاد الشام، وإلى القدس بالذات حيث هناك ما يشير إلى وجوده فيها سنة (613هـ/ 1216م) ولابد أن ذلك كان قبل أدائه فريضة الحج في العام نفسه [110] . كما أن في إشاراته في العديد من المرات إلى بيت المقدس ونباتات ضواحيه وجباله وملاحظات أخرى له عنه [111] ما يدل على معرفة عيانية كانت من معايشة للمكان مدة ليست بالقصيرة. وفيها وصلته بعض الإجازات بالتحديث أرسلت إليه من أماكن أخرى [112] . غادر أبو العباس القدس نحو الجنوب إلى مكة، والأغلب أنه سلك طريق أيلة جنوبًا إلى الحجاز على الطريق الساحلي للبحر الأحمر إلى هدفه، والذي يدفع إلى إعتقاد سلوكه هذا الطريق هو أنه الطريق التجاري وطريق الحج بين بلاد الشام ومدن الحجاز في ذلك العصر [113] . كما أن بعض الملاحظات التي قدمها أبو العباس نفسه في بعض شذرات (الرحلة) تؤكد هذا، وتوحي بأنه سلم ذلك الطريق إلى الحجاز، مكة والمدينة، ولم يكن بعيدًا عن الساحل، فهو يقول عن أحد النباتات (( الإسرار.. وهو شجر ينبت في أقاصي البحر، وفي السواحل من بحر الحجاز، رأيته بمقربة من كفافة من طريق أيلة لمن يريد الخوزا(أو الحوزة) .. سماه لي بعض أعراب الساحل بما سميته له )) [114] . والخوزا أو الحوزة هي شعب أو واد في الحجاز [115] . وواضح أن أبا العباس قد أفاد من وجوده في الحجاز فتجول في انحائه وتعرف على العديد من أعشابه ونباتاته سائلًا الأعراب عن أسمائها واستخداماتها مقارنًا إياها بما سبق له معرفته من أشباهها أو نظائرها في أماكن أخرى سبق بحثه عنها فيها [116] ،