ويبدو أنه لم يطل المقام بالإسكندرية حيث يذكر بأنه لم يسعفه الوقت ليستجيز من كل من عرفه من محدثيها فأجاز له بعضهم كتابة بعد مغادرته [104] . وربما كان وراء عدم إطالته المقام بالإسكندرية، فضلًا عن ضيق الوقت أمامه للحاق بموسم الحج، دعوة الملك العادل أبي بكر ابن أيوب، أخي صلاح الدين وسلطان بلاد الشام ومصر له، للقدوم عليه في القاهرة، حيث صادف أنه كان موجودًا فيها أثناء قدوم أبي العباس إلى مصر [105] . وقد تلقاه في القاهرة وأكرمه، ويخبرنا المؤرخ الطبيب الثقة ابن أبي أصيبعة أن العادل (( رسم أن يقرر له - أي لأبي العباس - جامكية وجراية(راتبًا ثابتًا) ويكون مقيمًا عنده. فلم يفعل. وقال: إنما أتيت من بلدي لأحج إن شاء الله وأرجع إلى أهلي )) [106] . وهذا العرض من قبل العادل إنما يدل على مكانة أبي العباس العلمية وذيوع شهرته، فقد كان للملك العادل الكثير من الأطباء والعشابين المشهورين ولم يكن ليطمح إلى مرافقه أبي العباس له مع وجودهم لولا إرتفاع قدر علمه.. خاصة إذا علمنا أن خير عشابي العصر في المشرق آنذاك وهو رشيد الدين أبو المنصور الصوري (573 - 639هـ/ 1177 - 1241م) كان في صحبته في مصر آنذاك، وهو ما عرف عنه من معرفته بأدوية وأعشاب لم يعرفها من قبله وبمنهجه المتميز بتصوير هيئات النباتات في بيئاتها في جبال لبنان وبلاد الشام، وبكونه أعلم أطباء الشام بالأدوية المفردة [107] . وطالما أن أبا العباس، رغم رفضه عرض الملك العادل، قد رافق الملك العادل هذا وأقام عنده مدة من الزمن وأعد له بعض الأدوية النادرة [108] ولابد أنه قد التقى بالعشاب الصوري المذكور وتداول معه في المعرفة النباتية والأعشاب، كما فعل في أماكن أخرى أثناء رحلته، رغم عدم وصول خبر لقاء الإثنين عن طريق أي من مصادرنا المتوفرة.