يبدأ الشهودُ من الملائكة بإلقاء شهاداتهم، كلُّ عبدٍ يشهد عليه قرينه بعمله، فالمعرضُ والمكذب ليس له إلا جهنم؛ حيث شهدت عليه الشهود بالجحود فيأمر الله به إلى جهنم: {وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي العَذَابِ الشَّدِيدِ} [ق: 23- 26] . فيُلقي العبدُ باللائمةِ على قرينه الشيطان الذي أغواه؛ لكن قرينه يتبرأُ منه ويخبر عن تأصل الضلال فيه؛ فيوقفُ اللهُ تلك المجادلة التي لا فائدة منها، ويتوعدُهم على ما اقترفوا من غير زيادة ولا ظلم؛ بل في غاية العدل والقسطاس المستقيم: {قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيد * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: 27-29] .
إنه يومُ الحقِّ والعدل، والقضاءِ والفصل، كم يفوزُ فيه من عبادٍ كانوا من ضعفاء الناس في الدنيا، وكم يندمُ فيه آخرون كانوا من جبابرة الأرض!! كم من عزيز في الدنيا يُذلُ في ذلك اليوم، وكم من ذليل حقير في الدنيا يكون عزيزًا في القيامة!! مَنْ سعد في ذلك اليوم فلن يشقى أبدًا ومن شَقِيَ فيه فلن يسعد أبدًا ذهب المال، وتلاشى الجاه، وَتَوَلَّى الأهلُ والأولاد، وَتَفَرَّقَ الأحباب والأقران، وزالت الفوارقُ بين الناس ولم يبق إلا العمل! نعم والله لا يَبْقَى إلا العَمَلُ أمام محكمة الرحمن التي لا ظلم فيها ولا طغيان: {مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاًّمٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: 29] .
إنه موقفٌ كلما تصوَّره المؤمن صغرت الدنيا في عينيه؛ حتى لا تساوي شيئًا؛ فالعملَ العملَ لذلك اليوم، قبل أن يكون الندم، فلا ينفع حينئذٍ ندم.